رافائيل البرتي .. بين القرنفلة والسيف

 

قدري السلطاني

البرتي الذي حلقت قصائده مثل حمامة تنشر الحب والسلام فـــــــوق بقاع الأرض, اضطر الى مغادرة مسقط رأسه مع عائلتة منطقة قــــادش ليستقر في مدريدحيث كان شخصا في مقتبل العمرمغمورا لم تتفتح مواهبـــــــه الشعرية  بعد بل كان طموحه ان يصبح رساما شهيرا وكان متأثرا حينذاك بعدد مـــــــن الرســامين امثال تيزيانو والرسام روبينز صاحب لوحة (انزال المسيح من الصــــــليب) اضافة الــــى غويا والغريكو وكان غالبا ما يقوم باستنساخ  هذه الرسـوم ويقضي معظم وقته في متحف البرادو. وقع البرتي في حب الفنانة والرسامة الاسبـــــــانية التـي تنتمي الى السريالية الاسبانية المبدعة ماروخا مايو التـي تعد اعمالـــــــــــــها ثورة في الشكل والمضمون فكانت علاقة عاطفية مأساوية انتهت بالفـــــــراق, بعدها توثقت علاقتة بالكاتبة ماريا تيرسا صاحبة الكتاب الرائع ((ذاكرة الاحزان)) التــي اصبحت رفيقته وزوجته التي شاركته الحرب الاهلية الاسبانية المستعرة ومــــــــرارة المــنفى الذي

استمر مايقارب اربعة عقود , سافر البرتي الى اوربا لدراسة حركات المســـــــــرح الذي كان مولعا به بتكليف من مجلس الدراسات الموسعة وهناك تعـــــــــــرف على المخرج المسرحي بسكاتور والى برتولت بريخت مبدع المسرح الملحمي كــا سافر الى موسكو حيث توجه مع ماريا تيريسا  الى منزل ليلى بريك رفيقة الشـــــــــــاعر الروسي ماياكوفسكي  وهناك التقى الشاعر الكبير لويس اراغون اضافة الى بعض الشعراء والكتاب ومابين الكافيار والحلوى الشرقية راح الشعر ينثال وينســـــــــاب بعذوبة , بعد عودة البرتي الى مدريد قام بتأسيس مجموعة ال(27) وهـــــــــو اهم الاجيال الادبية الاسبانية قاطبة ضم شعـــراء ونقاداً وروائيين وسينمائيين ورسامين الذين طرزوا القرن بابداعاتهم الرائعة,يقـــــــــول البرتي عن معارفه وأصدقائه من الادباء والفنانين جمعنا كلنا تقريبا تحالف المثقفين المناهضين للفـــــاشية ثم بعثرنا المنفى. وعند اندلاع الحرب الاهلية الاسبانية تعرض متحف البــرادو الى قصف من طائرات فرانكو فكلف البرتي من قبل وزارة الثقافة لانقاذ اللوحـــات الفنية التي فيه وتم فعلا نقل الدفعة الاولى التي كانت تتكون من لوحتين من اكثــــر اللوحات شهرة وعالمية وهما لوحة (كارلوس الخامس) لتيزيانو ولوحة (الـــــوصيفات) لبيلا ثكيث وتم نقلها الى مقر تحالف المثقفين ومن ثم نقلها الى خارج مــــــــدريد, وفي احدى جبهات القتال على ساحل البحر كاد البرتي وماريا يقعان اسرى بيـــــد اتباع فرانكو ولكن بعض الاهالي استطاعوا ان يخفوا البرتي وماريا عن الانظار وبــــــعد فترة قليلة تم تهريبهم بواسطة طائرة شراعية صغيرة الى فرنسا وهناك استطـــــاع كتابة قصيدة غنائية رائــعة بعنوان ((الحمامة)) بعد ذلك بفترة تم ابلاغ البرتي بضرورة مغادرة  فرنسا بضغــط من حكومة اسبانيا ومن ميناء مرسيليا وصل الى المكسيك التي بقي فيهــــــــــا أحد عشر شهرا وفي المكسيك تم طبع ديوانة (( أراك ولا أراك)) وبعد ذلك غـــــادر الى الارجنتين التي تم فيها تلحين وغناء خمس قصائد من ديوانه الموســــــــــوم ((بين القرنفلة والسيف)) ومن بينها كانت - قصيدة الحمامة- التي أحرزت نجاحـا عظيما ومن خلالها تم تكريمه على احد مسارح روما وترجمت الى عدة لغات وتم تلحينها وغناءها وتم توزيعها اوركستراليا .

 

يقول فيها البرتي:

 

أخطأت الحمامة

 

قد أخطأت

 

ولكي تقصد الشمال مضت صوب الجنوب

 

خالت القمح ماء

 

لذا فأنها قد أخطأت

 

ظنت البحر سماء

 

والليل نهارا

 

فأخطأت

 

حسبت النجوم قطرات ندى

 

والقيظ ثلجا منهمرا

 

فأخطأت

 

أعتقدت أن تنورتك هي قميصك

 

وأن قلبك منزلها

 

فأخطأت

 

وانت غفوت فوق احد الافنان

 

وفي اعقاب الحملة البيرونية تعرض الكتاب والمثقفون الى حملة مداهمات واسعـــة فغادر البرتي الارجنتين الى مدينة ميلان في ايطاليا وهناك ولد ديوانه (( روما خطر على السائرين)) وعندما كان في روما برزت قضية بورخس التي اثــارت في العالم موجة احتجاج ضد فرانكو عندما اراد أنزال حكم الموت على الثوار الباسكيين فكتب قصيدة بعنوان ادانه يخاطب بها فرانكو يقول فيها :

 

انت ان حكمتهم بالموت

 

ان قتلتهم فأنهم سيكونون المسامير الستة

 

التي تدق بها نعشك

 

المسامير الستة التي ستسمر حياتك

 

المسامير الاخيرة ان انت قتلتهم

 

سيكونون المسامير الستة

 

الاخيرة لاسبانيا تلك

 

وبعد موت فرانكو عاد الى اسبانيا حينها كتب قصيدته الشهيرة التي يرثـــــــــي بها صديقه فيديركو غارثيا لوركا ((اغنية الذي لم يذهب قط الى غرناطة))

 

امنحوا يدي غصنا من النور أخضر

 

لجاما قصيرا وعدوا طويلا

 

فأنا لم ادخل قط غرناطة

 

اي اناس اعداء يقطنون قلاعها ومن يسكن الاصداء الصافية الحــــــــــــرة لهوائها

 

انا لم اذهب قط الى غرناطة

 

من يأسر اليوم حدائقها

 

ويكبل بالقيود حديث نوافيرها

 

انا لم ار قط غرناطة

 

ومـــن قصيدة له باسم ((بابلو نيرودا في القلوب))  بعد ان حوصر المكان الذي كان يحتضر فيه الشاعر نيرودا وهوجم منزله من قبل الرعاع حــــــــــــــيث مزقت كتبه واللوحات الفنية الرائعة التي كان يقتنيها

 

يقول البرتي فيها:

 

لن تغمض لكم عين يا اشرار السيف

 

ياغربانا ليلية بمخالب دموية

 

ايها الجبناء الرعاديد ذوو الظلال الرعديدة

 

يا مغتصبي الموتى

 

لن تغمض لكم عين

 

على مدى حياة البرتي تسلم عددا من الجوائز والتكريم تقديرا لجهوده الســــــياسية والادبية او كليهما معا فقد منح شهادة الدكتوراه الفخرية من عدة جامعـــــات وكذلك جائزة الشعر الوطنية وجائزة ثربانتس وجوائز اخرى لا عد لحصرها.