لانهم يكرهون العراق يا عبد الستار

إلى عبد الستار ناصر

 كاظم الحجاج

منذ مطلع الخمسينيات تحديداً، كانت مجلة (الآداب) البيروتية هي المنبر الاول والمفضل للادباء والكتاب والمثقفين العراقيين- الرواد واللاحقين على حد سواء-.

 ويومها كان العراق عضوا رئيساً في (حلف بغداد) ويومها كانت بغداد الملكية متهمة بالعمالة للانكليز.. بل كان العراق محتلا اصلا وفصلا. لكن لم يعان الكتاب والادباء والمثقفون العراقيون - وهم تحت الاحتلال - من قيود النشر في (الآداب) ولا في غيرها  كونهم عملاء للمحتل، كما لم يطالبهم احد بالانتماء إلى (المقاومة) ربما لانها كانت (جنوبية) خالصة.. ولانها كانت مقاومة شبه سلمية وحضارية، ومن دون (ذبّاحين)-..

 كما لم يصل عداء العروبيين لملوك العراق المحتل- زمانذاك- ولوزرائه واحزابه ولمجلس نوابه، ومن ثم لشعبه كله، إلى درجة العداء التي هي عليها الآن، (لن نسأل: لماذا؟!).

 لكن موقف (الآداب) ومعها التيار القومي والعروبي قد تبدل عدائياً بعد ثورة تموز 1958 يوم تخلص العراق من الاحتلال البريطاني ومن حلف بغداد، بل حتى خروج الدينار العراقي من دائرة الاسترليني، فمع مفاوضات قائد الثورة عبد الكريم قاسم مع شركات النفط الاحتكارية، يقوم التيار القومي العروبي الناصري العراقي (بمساندة) المفاوضات تلك، بالاضراب، (البطولي) لسواق سيارات الاجرة في بغداد، بعدما اضطرت حكومة الثورة، تحت ضغط الشركات، إلى اضافة عشرة فلوس على سعر لتر البنزين! وهو الاضراب الذي لا يزال البعث العراقي يتباهى به، مع انه كان خيانة وطنية بأبسط مقاييس الوطنية!... وكانت التهمة الجديدة التي وجهت إلى العراقيين والى حكومتهم الثائرة-زمانذاك-هي ليست العمالة لاحد، بل لان العراقيين- ومعهم  ادباؤهم تحديدا قد تحولوا فجأة إلى (شعوبيين) وملحدين في الوقت نفسه بعدما "احرقوا القرآن الكريم في ساحات بغداد" على ذمة (صوت العرب) و(احمد سعيد).

 ويتفاقم العداء العروبي (أدبيا) في مؤتمر الادباء العرب، الذي انعقد في الكويت، حيث هوجم الوفد العراقي من قبل الادباء القوميين العروبيين اياهم علما ان الوفد العراقي كان برئاسة (الجواهري) الذي كان رمزا للوطنية العراقية والعربية على السواء. (ولم يكن العراق محتلا).

 وكان احتفاء (الآداب) الشهير بشاعرنا الكبير (البياتي ليس لانه صار كبيرا فجأة عند (الاداب) بل لانه (استعاد وجهه العربي).

 بعدما كان وجهه اعجميا-شعوبياً-ماركسيا!-..

 واليوم كذلك يقف الدكتور سماح ادريس مع مومياءات (الامة) التي هي من المحيط الهادر حتى الخليج الثائر! يقف مع خير الدين حسيب ومعن بشور ومع (مشروعهم) اللغوي الانشائي- الذي فشل منذ نصف قرن واضاع فلسطين إلى الابد  يقف معهم كي يشتموا العراقيين وأدباءهم حصراً، كونهم لم يقفوا مع (المقاومة) التي ذبحت آلاف العراقيين  على الهوية، واحرقت شارع المتنبي ودمرت الكهرباء والجسور بين الكرخ والرصافة وفجرت فقراء العمال وقتلت الادباء والصحفيين وأساتذة الجامعات والاطباء والمهندسين وشيوخ عشائر الانبار، والتي اغتصبت صغار العراقيات من مدن غرب العراق "بزواج المسيار" من قبل (مجاهدي القاعدة).

 ويقف الكورال العروبي المهزوم صارخا ضد مشروع ((المدى)) الثقافي الكبير لانهم-يا عبد الستار- ضد أي نجاح للعراق الجديد ولانهم ضد أية استعادة لوجه العراق الجميل، بديلا عن وجهه الكالح العتيق البالي.

 فهل هم ضد الاحتلال حقاً؟ وهل هم مع المقاومة حقاً؟ ام تراهم ضد (احتلال) بعينه؟ ومع (مقاومة) ما غيرها؟ فما موقفهم من ادباء الدول التي تخلت عن المقاومة لتحرير مدنها المغتصبة: الاسكندرونة والجولان وطنجة وسبتة ومليلة.. وما رأيهم بأدباء بعض دويلات الخليج التي فيها قواعد امريكية ثابتة، وتلك التي فيها جنود امريكيون، يفوق عددهم عدد نفوس مواطنيها؟

 نرجوكم ايها السادة ان تزوروا الانبار وديالى والموصل، لكي تسمعوا رأي اهلها (بالقاعدة) التي تتزعم (المقاومة) منذ اربع سنين؟

 نرجوكم ان تسمعوا من زعماء الكتل والاحزاب العراقية في الداخل واغلبها يعارض الحكومة ويعادي الاحتلال علنا، ولديهم صحف وفضائيات معارضة.. اسألوهم عن رأيهم بخروج المحتل الآن. وقبل ان تكتمل الدولة العراقية، بمؤسساتها وبجيشها وشرطتها وحرس حدودها.. سيقولون لكم جميعاًَ: ان خروج المحتل الآن كارثة، لان البديل هو (دولة العراق الاسلامية).

 في الوسط كله وفي الجنوب كله، مدعومة من (القاعدة) ومن دول الجوار.

 فهل تريدون هذا المصير الكالح الملتحي للعراق؟ ربما لانكم تكرهون العراق سواء أكان ثائراً (شعوبياً) ام محتلاً (طالبانيا)!.

 انهم يكرهوننا، مهما كنا.. يا عبد الستار ناصر!