|
مجلة الآداب وخديعة الشعارات
حسب الله يحيى
سهل.سهل جداً أن تتهم وتدين وتلغي وتكفر...وحتى أن تقتل...دون أن تمتلك
مسوغات كل ما تفعل..
لا أحد بوسعه إيقاف ما تفعل، فبيدك السيف والقضاء،ومعك الحبر
والورق،ولك نفوذ على أن تفعل ما تشاء: حقاً وباطلاًَ.
هذا السهل العجيب والغريب والمتجني الذي يصد عن المعرفة والحقيقة، يضع
كفه مع الظالم ضد المظلوم، ومع العتمة ضد الضوء، ومع الفاسد ضد
النقي..ففي وقت كنا نحسب فيه مجلة (الآداب)معلمنا الأول،الذي لا
يحابينا في موهبتنا وحقائق ثقافتنا، نجد هذا المنبر الذي كان أثيراً
لدينا،وقد تحول إلى ما يشبه السكين الذي ينقض فوق رقابنا،مع انه قد
يعرف أو لا يعرف وما يجري فينا ومعنا وضدنا.
فنحن متهمون بالعمالة للمحتل، ما لم نهاجر ونترك الوطن، أو نحمل
سيوفنا..لنقطع فيها أوصال كل جندي مدجج بأحدث سلاح إكتشفه العالم قّد
قلبه من صدأ وحجر..ونحن خونة..سحبنا المحتل من عنقه وجئنا وإياه محتلين
بلاداً كانت عراقنا.
وما دمنا نحتفظ بوطن معفر بالدم والدموع والاعتقال والهجرة والتهجير،
فإننا نشارك في جريمة صنعناها بأنفسنا!
فهل كان علينا أن نستبدل وطناً بغير وطننا، ونطّلق شعباً تقاسمنا معه
الجراح والشهداء والخندقة الطائفية والعرقية؟
لا يعقل أن يستبدل المرء جلده..إلا إذا ارتمى بأحضان الانتهازية.
ولا يعقل ان نغير جذورنا العائلية وننسلخ عن وجودنا،إلا إذا كنا غيرنا.
إذن كيف يريدنا صاحب (الآداب)أن (نؤدب)أنفسها ونعقلها ونعتقها ونزعم
أننا نتحدث باسم الحرية.
لا يختار المرء الشر المحدق به، ولا يخترع عالماً لا قناعة له بوجوده،
لكن الأمر قسر، والعقل لم يعتد حمل السيف بكف والقلم بكف..ولا علينا
من الشاعر الفارس، ذلك إننا لم نعد نملك من الفروسية إلا شرف الحبر
الذي نكتب بواسطته أفكارنا وأحلامنا ورؤانا.
لا ندافع عن باطل ثقلت علينا وطأته وأثخنت علينا جراحات عميقة أصابنا
بها شر المصاب، ولكن من طبع الرقة وحدائق الحروف ان تبحث عن دفء،عن ظل
تستظل به..لا تسودها العفونة أو الحرقة.
من هذا المنطلق نعمل بالممكن لا بالمستحيل، ولا بالصعب حتى لا يضيع،
وبالضياع الآفل فينا حتى لا يتلاشى إلى الأبد..
فماذا نفعل وأسوار بغداد باتت عصية علينا والعالم كله ضاق بنا، والذي
يكفرنا دائم الحضور بسيفه الصدئ العميق.
وكنا نريد من (الآداب)ان تنصف وتحذر الوقوع في خديعة الشعارات التي ما
عافتنا من وجع،ولا روتنا من ظمأ..لكن من نكد الدنيا أن تشتد علينا
السهام من القريب قبل البعيد، ومن العاقل قبل سواه، وكأننا من دون خلق
الله حباً بقبول الديكتاتورية أو الاحتلال.
الشر واحد، وأن تغيرت صوره وألوانه، والمكيدة واحدة، وأن عصت هنا وحدقت
بنا وطعنتنا هناك..فلا هنا..هنا ولا هناك إلا هنا.
مزيد من الحقد والظلم والعبودية واستلاب الإنسان للإنسان.
لم نكن خونة شعبنا ولا فرسانه الدونكوشوتيين..كنا وما زلنا نملك
أحداقنا وضوء رؤوسنا، ولكن ليس بمقدور الأحداق والرؤوس أن تدفع أطنان
القنابل التي تلقى في فضاءات بلادنا وتصطاد من بيننا كل الخيرين،كل
حملة الرؤوس التي تعرف الحقائق كاملة..
هل كنت تريدنا يا صاحب(الآداب) أن نقف عند أسوار العالم نتسول الجوع
والحسرة والشك،أم نرتضي الفصل بين رؤوسنا وأجسادنا كما يريد التكفيريون
دخول الفردوس عن هذا الطريق دون سواه؟
ظلم أن تظلمنا..فقد كفانا الزمان ما بنا من ظلم وظلام، وكفانا من
العالم شر يقيم لنا حواجز من أسمنت..فضلاً عن حواجز من قهر وموت عند كل
زاوية، وفوق كل بلاطة..وتحت جذع كل نخلة عراقية يتساقط جمع من البشر لا
ذنب لهم سوى إنهم ما زالوا بشراً..فهل تستكثر أنت..أنت كذلك أن تحتفظ
بالبشري السلمي الذي فينا..يا من أفرغ عقله وإحساسه ووجدانه من كل شيءٍ
فينا؟.هل..؟ |