بين نقد الوعي النقدي والتجريح الشخصي!

 

كاظم حبيب

 

 حين بدأت بمطالعة افتتاحية مجلة الآداب التي كتبها السيد الدكتور سماح إدريس أعجبت بالنقد الموجه إلى ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين في الدول العربية والتي ابتليت بها جمهرة من العاملين في حقل الصحافة والإعلام بشكل عام. وما أن قطعت شوطاً في القراءة وما أن انتهيت منه حتى تبينت لي ثلاثة أمور لا بد من تأشيرها قبل البدء بالكتابة عن الفكر والغاية أو الأهداف التي تقف وراء كتابة هذه المقالة في مجلة أدبية لبنانية كانت تتميز بالرصانة الأدبية حتى حين تطرح الفكر القومي اليميني أحياناً والمعتدل أحياناً أخرى، وهي القضايا التي سماها السيد سماح بلب المسالة. وبعد مرور عدة أيام على نشر المقال وتداعياته القضائية العادلة، فوجئت بحملة منظمة وواسعة نسبياً، ولكنها مقتصرة على قوى معينة يقودها الدكتور سماح إدريس ذاته وتساهم فيها مجموعة من البعثيين الصداميين العراقيين وبعض العرب إضافة إلى جمهرة من القوميين اليمينيين المتطرفين منهم من شكل تحالفاَ سياسياً معادياً للأمن والاستقرار في العراق ومتحالف مع قوى الإسلام السياسية التي تمارس الإرهاب في العراق، لجمع التواقيع وكتابة المزيد من المقالات بذات الاتجاه لتضييع الهجمة الشرسة التي بدأها السيد سماح ومنع استمرار الدعوة القضائية أو التشويش عليها. وهذه الهجمة العدوانية لم تمس الأخ والصديق السيد فخري كريم وحده، بل مست بالصميم الحزب الشيوعي العراقي والشعب الكردي وجمهرة كبيرة جداً من مثقفات ومثقفي العراق ممن ساهمت في مهرجان المدى الثقافي في أربيل، عاصمة إقليم كُردستان العراق، إضافة إلى اتهامات أخرى للحركة الكردية حول العلاقة بإسرائيل وما إلى ذلك.

لا أملك حق الرد باسم الحزب الشيوعي العراقي ولا باسم الصديق فخري كريم أو قادة الحركة الوطنية والقومية الكردية، أو جمهرة المثقفين الكبيرة التي ساهمت في أسبوع المدى الثقافي، فهم قادرون على ذلك وهي مهمتهم كما أن البعض الكثير منهم قد احتج وأدان الحملة المغرضة ضد الأخ فخري كريم، ولكني أملك حق الحوار مع الدكتور سماح إدريس باعتباري صديقاً ورفيق نضال مديد لفخري كريم ولجمهرة كبيرة من المثقفات والمثقفين الذين شاركوا في أسبوع المدى الثقافي من عراقيين وعرب أولاً، وقارئاً اطلعت على هذا المقال وأعرف تلك الجهات الشخصية والعامة التي وجه ضدها السيد سماح هجومه وأدرك وقوع حيف كبير وإساءات شديدة غير حضارية وغير مبررة ومسيئة نزلت بهؤلاء جميعاً ثانياً. والمشكلة تبرز في الوقع التالي:

نشر الدكتور سماح إدريس معلومات مسيئة جداً ووجه اتهامات كبيرة وخطيرة واستند إلى كتابات صادرة عن أشخاص قال عنهم أنهم من الأعضاء السابقين في الحزب الشيوعي العراقي.

والغريب أن الرجل قد طرح تلك الإساءات والمعلومات الخاطئة والكاذبة وكأنها حقائق ثابتة بنى عليها استنتاجاته أولاً، بالتالي فهو مسؤول مسؤولية كاملة عما نشر في المجلة وللسيد فخري كريم حق مقاضاته أمام القضاء اللبناني.

للسيد الدكتور سماح إدريس كل الحق في النقد وتوجيه الاتهامات لمن يشاء شريطة أن يقدم كل ما لديه من وثائق للبرهنة على صحة ما كتبه، وفي حالة عدم نشره وثائق فعليه تثبت تلك صحة الاتهامات والإساءات المباشرة والشخصية، يفترض فيه أن يتقبل برحابة صدر ودون أن يثير ضجة لا معنى لها حين تقام الدعوى عليه بسبب القدح الذي مارسه بحق شخصيات ومؤسسات عراقية. ولا شك في أن أمام السيد سماح إدريس أحد موقفين، وهما:

1.         أن يجهد نفسه لتهيئة كل الوثائق الضرورية التي تثبت رأيه وإلا فمسؤولية القضاء إعطاء الحكم والقرار الفصل بالقضية.

2.         أو أن يقدم اعتذاره عن تلك الإساءات ويسحب كل الاتهامات التي وجهها بصورة اعتباطية وتحمل الكراهية والحقد الأعمى، وأن يتعهد بعدم تكرار توجيه مثل تلك الاتهامات الباطلة.

كم كان بودي أن لا يتورط الدكتور سماح إدريس بمثل هذا المقال التعس الذي لا يمت إلى النقد ولا الوعي النقدي بصلة، بل يَغيب عنه الوعي النقدي العقلاني ومليء بوعي مزيف ومشوه ويحاول تشويه الآخر. كما يجسد حقداً وكراهية غير معهودتين في إنسان أديب ورئيس تحرير مجلة الآداب التي يفترض أن تدعو إلى المحبة والوئام والاحترام المتبادل واحترام حقوق الإنسان واحترام العاملين في مجال الثقافة والإعلام، كما أنه يثير ضد السيد فخري كريم مشاعر الحقد والكراهية لدى الآخرين من جراء التهم ذات الوزن الثقيل التي وجهها له، في حين أنها كلها بالونات فارغة مثيرة للسخرية وسرعان ما سيتيقن بنفسه وأمام القضاء كم كان مسيئاً لنفسه بتلك التهم قبل أن يسيء للسيد فخري كريم.

من يعرف القوى البعثية الصدامية والقوى القومية الشوفينية ومن عاش سنوات طويلة تحت وطأتها وأساليبها القذرة في تشويه سمعات الناس، يدرك دون أدنى ريب أن السيد سماح إدريس قد مارس الأسلوب نفسه الذي استخدمه صدام حسين وحزبه وأجهزته الأمنية والإعلامية في توجيه الاتهامات بكلمات نابية وجارحة كان الهدف منها تشويه سمعة السيد فخري كريم في المحافل العربية والدولية، تماماً كما فعل جلاوزة صدام حسين حين حاولوا اغتيال فخري كريم في بيروت في العام 1980 وخابت فعلتهم.

سأحاول فيما يلي أن أتناول بعض النقاط التي أثارها السيد سماح إدريس:

 

حول أسبوع المدى الثقافي في أربيل

كنت من المشاركين في أسبوع المدى الثقافي في أربيل، وقد كان الأسبوع تظاهرة عراقية حقيقية للثقافة العراقية الديمقراطية وحضرته مجموعة كبيرة من مثقفي العراق والدول العربية وشاركت في النقاشات حول مسائل ذات أهمية فائقة لحياة الشعب العراقي وعملية التنوير الفكري والسياسي والثقافي والبيئي بشكل خاص، ولكن كانت لها أهميتها للشعوب العربية أيضاً مثل قضايا الديمقراطية والمجتمع المدني، والعلاقة بين الدين والدولة وأهمية إقامة دولة علمانية وفصل الدين عن الدولة، وحول مسائل الاقتصاد العراقي واقتصاد النفط ودوره وأهمية بقاء هذه الثروة في يد قطاع الدولة، ثم قضايا الإرهاب والمليشيات ومشكلات الثقافة والمثقفين، إضافة إلى ندوات شعرية وقراءات أدبية وأفلام ومسرحيات وفرق موسيقية وغنائية ومعرض للكتاب، إضافة إلى إتاحة الفرصة للإطلاع على واقع الإقليم ومجموعة كبيرة من الفعاليات الفنية الأخرى. فما هو السبب في إدانة مثل هذا المهرجان؟ لقد عقد مثل هذا المهرجان ولثلاث سنوات في دمشق ولم يوجه السيد سماح إدريس أي نقد له أو لمنظمه السيد فخري كريم، وقد كان المهرجان في الشام تظاهرة شبابية وثقافية رائعة رحب بها المسؤولون وأبناء الشعب لدورها في عملية التنوير والعلاقات الجميلة التي كانت تحركها بين المثقفين. فلِمَ هذا النقد الشديد لأسبوع المدى الثقافي الذي عقد في رحاب إقليم كُردستان العراق وفي أحضان الشعب الكردي وقوميات أخرى وفي عاصمتها أربيل؟ هل ينطلق هذا الموقف من ذهنية عربية شوفينية بسبب عقده في كُردستان بعد أن تكرست الفيدرالية فيها رسمياً ووفق الدستور العراقي؟ أعتقد ذلك، والمقال يجسد هذه الذهنية بوضوح كبير.

من الممكن أن ينتقد الإنسان مفردات المهرجان أو الجانب الفكري في هذه الندوة أو تلك، أو أن ينتقد التنظيم، ولكن أن يأخذ سماح على عاتقه مهاجمة المهرجان الثقافي لأنه عقد في كُردستان ولأن بعض الكتاب الذين شاركوا فيه امتدح المهرجان وفعالياته المتنوعة والكثيرة وامتدح القائم على تنظيمها والممولين لها، فهو الأمر الغريب وغير المسؤول حقاً. من حق السيد سميح أن ينتقد، ولكن لا أن يشتم ولا أن يتهم ويتجاوز على حق الإنسان في حماية كرامته ورفض التجاوز عليها من أي شخص كان.

يبدو أن السيد سماح تجاهل مسألتين مهمتين، وهما:

1.         ضرورة التمييز بين الثقافة الديمقراطية التي قدمت في المهرجان من جانب مثقفات ومثقفين عراقيين وعرب، وبين الثقافة الصفراء التي سادت في المجتمع العراقي لعقود عدة والتي هي نتيجة منطقية لـ 35 سنة، ثقافة فاشية وعنصرية وطائفية روج لها ونشرها حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة الطاغية صدام حسين من جهة، ونتيجة الفكر الديني الطائفي والسلفي المتطرف والإرهابي الذي حاول أن يحل محل ثقافة البعث الشوفينية من جهة أخرى. ولكن هناك كثرة كبيرة من المثقفين العراقيين، سواء من تسنى له المشاركة في المهرجان أم لم يشارك فيه، تساهم بفعالية في نشر الثقافة الديمقراطية في العراق رغم المصاعب الجمة التي تواجهها في هذا الصدد.

2.         وأن هذا المهرجان الثقافي يهدف إلى نشر الثقافة الديمقراطية والتقدمية ومناهضة الفكر الشوفيني والثقافة الصفراء والثقافة الدينية والطائفية السلفية المتعصبة والمتطرفة والتي تتجلى في ثقافة القاعدة المتحالفة مع بعض بقايا قوى حزب البعث والقوى القومية العربية الشوفينية في العراق.

كان على سماح إدريس أن يفكر بهذا الأمر وأن يفكر عن سبب تأييد الكثير من المثقفين العرب هذا المهرجان.

 

حول إقليم كُردستان

يعتقد السيد سماح إدريس أن العراقيات والعراقيين لا يعرفون ما كان يجري في كُردستان في فترة حكم النظام صدام حسين، ولا يعرفون ضحايا عمليات الإبادة الجماعية وضد الإنسانية التي مارسها الدكتاتور ورهطه ضد الشعب الكردي. علينا أيها السيد سماح أن نتحدث بكل صراحة، وأتمنى عليه سماح أن يعيد النظر بوجهة تفكيره وأن يفكر بالمطب الذي ورط نفسه فيه من خلال رجال السوء:

* لقد تخلص إقليم وشعب كُردستان من سيطرة النظام البعثي على الدولة العراقية ومن هيمنة القوى البعثية الدموية ومن أولئك الذين نفذوا مجازر الأنفال وقصف حلبچة بالكيماوي وقتل الألوف من الناس الكُرد هناك، إضافة إلى خطف ومن ثم قتل وتهجير ثم دفن الناس بالمقابر الجماعية حتى بلغ عددهم أكثر من 180 ألف إنسان.

* وأقام الشعب الكردي فيدراليته الكردستانية في العام 1992، وظل مصراً على البقاء في إطار الجمهورية العراقية إلى حين تشكلت هذه الجمهورية الاتحادية فعلاً. والإقليم يحكم من قبل أبناء الإقليم من الكُرد وغير الكُرد.

* والواقع الجديد أنهى مشكلة عمرها أكثر من 80 سنة، أي منذ أن ألحقت ولاية الموصل بالعراق في العام 1926 وفق قرار مجلس عصبة الأمم. وبالتالي سيوفر الأرضية المناسبة لتعميق الأخوة والتضامن بين العرب والكُرد وبين بقية القوميات حين تنجز حقوق القوميات الأخرى في العراق بشكل عام.

* وأن هناك حركة عمرانية واسعة جداً في كُردستان لتعويض التهميش الذي عاشته طيلة عقود من جانب الحكم المركزي في بغداد، كما أسست مجموعة من الجامعات ومن النشاطات الثقافية التي سيكون لها دورها في تغيير واقع المجتمع الكردستاني.

ولكن نعرف وندرك أيضاً بأن هناك جملة من النواقص والسلبيات التي يفترض أن تزول من المجتمع الكردستاني ومن المجتمع العراقي عموماً، ومنها ضعف الديمقراطية ووجود سجناء سياسيين وعمليات قتل للمرأة تحت واجهة غسل العار التي تمارس في الكثير من الدول العربية وفي عموم العراق بشكل مخز وإجرامي، إضافة إلى ممارستها في البصرة، وفق تصريحات مدير شرطة المدينة والمحافظة التي لم يتحدث عنها السيد سماح إدريس، وكذلك وجود الفساد المالي والإداري والمحسوبية والمنسوبية والحزبية الضيقة... الخ على نطاق العراق، ومنه كُردستان. حبذا لو تسنى له الإطلاع على مقال لي كتبته عن كُردستان بعد زيارتي لها في ربيع العام 2007 لكي يعرف أن العراقيين لا يسكتون عن النواقص حين يتلمسونها، وقد نشرت تلك السلسلة النقدية من المقالات في مجلة رؤية في السليمانية وجريدة المدى وفي جريدة الاتحاد في بغداد، وكذلك في جريدة التآخي وفي عشرات المواقع الإلكترونية بما فيها مواقع الحوار المتمدن وصوت العراق والجيران. فهامش الحرية في النشر متاح، وكان في مقدورك نشر أي نقد للتجربة الكردستانية لو كان نقدك يتضمن الروح الموضوعية والبناءة وليس كما ورد في مقالك المنشور في مجلتك الأديب، ولم تكن مقالة مؤدبة في كل الأحوال.

 

إقليم كُردستان وإسرائيل

أعلم علم اليقين بأن كل ما قيل عن علاقات إقليم كُردستان بإسرائيل محض افتراء. ورغم تكذيب السادة رئيس الإقليم ورئيس حكومة الإقليم ورئيس مجلس نواب الإقليم، إضافة إلى تكذيب ذلك من قبل السيد رئيس الجمهورية، فأن الكارهين للفيدرالية الكُردستانية والحاقدين على وجودها باعتبارها شوكة في عيونهم يرفضون الاقتناع بما يقال ويرددون كذبتهم وليس أمامنا إلا أن نذكرهم بمقولة هتلر حين أكد "افتروا ثم افتروا ثم افتروا، لعل بعض افتراءاتكم تعلق بأذهان الناس". ولكن دعونا نقبل بهذه الفرية وهذا الادعاء بوجود علاقات بين إقليم كُردستان ودولة إسرائيل في الفترة التي أعقبت سقوط نظام البعث. فماذا في ذلك؟ هل نسى السيد سماح إدريس أن مصر تقيم أوسع العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والثقافية مع إسرائيل وعلى مختلف المستويات؟ وهل نسي أيضاً أن المملكة الأردنية الهاشمية هي الأخرى تقيم علاقات متقدمة مع إسرائيل ووجود زيارات متبادلة بين مسؤوليها؟ وهل غابت عنه علاقات آريتيريا الدبلوماسية بإسرائيل، وعلاقات دولة قطر الحميمة بها، وكذلك الدولة التركية المسلمة مثلاً؟ هل يمكن أن يكون الأخ، وغيره من القوميين العرب اليمينيين، مصاباً بعمي في العين اليمنى؟ لِمَ يا رجل تنسى كل هؤلاء وتوجه اتهامك إلى الشعب الكردي وحكومته؟ لا شك في أن الدول العربية كلها ستقيم علاقات، بل سوف تتسابق على إقامة العلاقات، مع إسرائيل حال حصول حراك نسبي في القضية الفلسطينية، ولكن هذا النهج القومي اليميني والشوفيني لا يمكن قبوله، فهو نهج تدميري يدعو إلى رمي إسرائيل في البحر، وهو أمر ليس فقط صبيانياً بل مستحيل التحقيق، وبالتالي يسلم ما تبقى من فلسطين تدريجياً إلى إسرائيل. هذا هو موقف القوى البعثية والقومية العربية اليمينية المتطرفة وموقف قوى الإسلام السياسي المتطرفة واللصيقة بالسياسات الإيرانية، كما في حالة حزب الله في لبنان، وبتنظيم القاعدة كما في حالة حماس، إضافة إلى إيران. علينا أن ندعم الجهود لحل المسألة الفلسطينية بالطرق السلمية رغم كل الصعوبات التي تواجه هذا الحل من جانب الدولة الإسرائيلية وقواها الصهيونية وقوى الإسلام السياسي المتطرفة في فلسطين وفي العالم العربي. لم يبق من فلسطين سواء 22 % من أصل الأرض الفلسطينية في عام التقسيم، وهذه النسبة مليئة بالمستوطنات اليهودية. وعليكم أن تفكروا بالشعب الفلسطيني لا بشعارات القوى البائسة التي ساهمت في ضياع الكثير من الأرض العربية ولكي لا يفقد هذا الشعب الأبي المزيد من الأرض لصالح إسرائيل.

ولهذا أملي أن تكفوا عن هذه اللعبة البائسة في محاولة إلحاق الضرر بإقليم كُردستان من خلال تهييج جماهير عربية لا تزال تتحرك بعواطفها وليس بعقلها لأن هؤلاء يحملون وعياً مزيفاً تساهم القوى القومية اليمينية والمتطرفة والشوفينية وقوى الإسلام السياسي السلفية والمتطرفة بنشره وتكريسه في أذهان الناس.

 

موقف السيد سماح إدريس من السيد فخري كريم

يمكن أن يختلف الإنسان أو يتفق مع السيد فخري كريم لأي سبب كان، سواء في الفكر أو في المواقف السياسية أو أن يمارس النقد الصريح والجريء لما يراه غير مناسب لدى السيد فخري كريم. ولكن هذا التوجه يجب أن يتجنب القدح والتجريح والشتم وتوجيه اتهامات باطلة من جانب، وأن لا نختلف على عدد من المسائل، ومنها:

1.         لقد ناضل فخري كريم بعناد وصلابة متميزة ومبدئية عالية وشجاعة ضد نظام الحكم الملكي وكان لا يزال شاباً يافعاً، ثم ضد النظم البعثية والقومية الشوفينية، وخاصة الحكم ألصدامي الدموي ودخل السجن واعتقل ثم جرت محاولة لاغتياله من جانب جلاوزة صدام حسين الجبناء.

2.         لقد كان عضوا في اللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، وهو حزب معروف بنضاليته العالية وتضحياته الكبيرة.

3.         وقد ساهم بفعالية في دعم حركة التحرر الفلسطينية وله علاقات واسعة مع قادتها من مختلف فصائل الحركة. كما أن له علاقات واسعة وطيبة مع جمهرة كبيرة من مثقفي فلسطين وقادتها السياسيين.

4.         ولعب الرجل ولا يزال يلعب دوراً مهماً في الحياة الثقافية العراقية والعربية، سواء حين كان في العراق وفي ظروف صعبة، وكان مدير تحرير جريدة طريق الشعب، جريدة الحزب الشيوعي العراقي ورئيس تحرير النهج ومجلة المدى في دمشق، ثم جريدة المدى العراقية. وأسس دار المدى التي تلعب دوراً كبيراً في الثقافة العربية، إضافة إلى تأسيسه مركز الدراسات الاشتراكية في دمشق.

5. ولعدة سنوات نظم السيد فخري كريم مهرجان المدى الثقافي في دمشق وكان له دوره الفكري التقدمي في الحياة الفكرية والثقافية السورية. وله علاقات واسعة وطيبة مع مثقفين عرب في كل أنحاء العالم العربي، ولكن لا يمكن وجود كارهين له وحاقدين عليه لدوره المتميز ونهجه الفكري والسياسي، ومنهم السيد سماح ومقاله الذي نتحدث عنه.

5.         وكان فخري كريم ضد الحرب الأخيرة ضد النظام العراقي لا حباً بالنظام بل حباً بالشعب وما يمكن أن يتعرض له عبر الحرب وخشية عليه، إضافة إلى أنه كان يفضل سقوط النظام على ايدي الشعب وقواه السياسية.

لهذا فالاتهام بالتجسس والعمل لصالح وكالات تجسس دولية هو ليس محض افتراء بائس ولا يثير إلا السخرية فحسب، بل اتهام خطير ووقح يستوجب أن يقدم صاحبه للمحاكمة. وكان على هؤلاء العودة للحزب الشيوعي العراقي للاستفسار منه عن المهمات التي اضطلع بها السيد فخري كريم في إطار القيادة الحزبية وليس شن هجوم شديد غير مبرر وسخيف. يفترض العودة إلى الحزب الشيوعي أيضاً في المسألة المالية والاستفسار منه عن مدى الخطأ أو الصواب في الادعاء الوارد في رسالة السيد سماح والذي يعتمد على كتابات أناس يكنون الكراهية للسيد فخري كريم ولهم مشكلات مع الحزب وليس مع السيد فخري كريم وحده. إن وجودي عضوا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي ولسنوات عدة يسمح لي أن أفند هذا الادعاء الوقح، أياً كان قائله وأن أثمن الجهد الذي بذله في كسب الموارد المالية للحزب لمساعدته في نضاله ضد الدكتاتورية الغاشمة. إن على من يوجه الاتهام أن يدلل عليه بالوثائق. وهنا أجد ضرورياً أن تنبري قيادة الحزب الشيوعي العراقي لتبرئة أحد قادة الحزب السابقين من هذه التهم الكاذبة التي توجه له، لأن المقصد ليس فخري وحده بل الحزب الشيوعي كله.

ليس فخري كريم دون أخطاء، فهو إنسان كبقية البشر، له جوانبه الإيجابية وجوانبه السلبية، كما أرى وكبقية البشر، له أخطاؤه في العلاقة مع هذا الشخص أو ذاك ومع هذه القضية أو تلك، ولكن حين تسوء العلاقات بين شخصين فلا بد من أن يجري التحري عنها عند الطرفين في الأقل، فالمسألة ليست من جانب واحد، فالطرف الآخر يتحمل كل المسؤولية أو جزءاً منها. ولكن إذا كان في من كتب حتى الآن لم يرتكب أخطاءً في علاقاته السياسية، دعْ عنك الشخصية، فليرمني ويرمي فخري كريم بحجر. ولكن لن يجرؤ أي منكم على ذلك لأنكم تمارسون ارتكاب الأخطاء يومياً، وهذا المقال الدليل الثابت على ذلك. هل يمكن أن نتصور أن شخصاً مثل السيد فخري كريم يعمل طيلة خمسة عقود تقريباً في السياسة يبقى دون أخطاء وفي بلد كالعراق؟ ولكن الأخطاء شيء والاتهامات الوقحة والإساءات التي وجهت حتى الآن من جانب الجوقة البائسة شيء آخر.

ولكن دعوني أهمس بأذن السيد سماح إدريس بصوت مرتفع وأقول له أن المقالة التي كتبتها واحدة من أكبر الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها إنسان بحق آخرين، فهل أنت واع لهذا الخطأ الفادح؟ أرجو ذلك رغم فوات الأوان. إنه يمارس هنا أكبر الأخطاء، وفي الوقت نفسه يقوم بنقد الآخرين على الأخطاء التي ارتكبوها، كما يعتقد. إنه يرمي الناس بالحجارة التي يمكن أن ترتد إليه. البعثيون والقوميون اليمينيون أو من لف لفهم والذين يسودون الصفحات حالياً، عليهم أن ينتبهوا إلى المثل المعروف "من كان بيته من زجاج، لا يرمي الناس بالحجر".

لست راغباً في تقديم ملف النظام العراقي ألصدامي إلى الشعب العراقي والشعوب العربية أو إلى السيد سماح إدريس، فهو ليس مريراً فحسب، بل ومخجل حقاً ولطخة سوداء كبيرة في تاريخ الأمة العربية. وهو السبب في ما يعاني منه العراق حالياً بما في ذلك وجود قوات الاحتلال في العراق. ولكن على أتباعه ومريديه أن يدركوا بأن محاولات تشويه سمعة الآخرين لن تنفع أحداً ولن تعود بالنفع على أحد.