![]() |
|
دفاعاً عن حقّ الدفاع عن النفس فؤاد التكرلي تساوق عنصران متميزان في نفسي وعملا على توجيه حياتي وعلى تغييرها أحيانا كثيرة... إنهما الأدب و القانون. درست القانون في الجامعة و اشتغلت بعد التخرج في المحاكم و في القضاء المدني خمسا و ثلاثين سنة و نيف. أما الأدب فقد احتل حياتي كلها منذ كنت مراهقاً حتي الآن و أنا في الحادية و الثمانين من عمري. كان هذان العنصران يتبادلان التأثير فيما بينهما خلال الأعوام التي تجاورا فيها؛ فإذا بلغة الأدب عندي تشذب نفسها بوحي من لغة القانون الصارمة الواضحة، و اذا بلغة القانون لدي تكتسب رداءً خفيفاً من الرقة الأدبية و الجاذبية. لم يعتدِ القانون على الأدب، و لا كان الأدب قادراً على تجاوز حدود القانون و حقائقه؛ هنالك، في الأساس، احترام عميق متبادل لا يمكن نكرانه. و لقد حاولت جهدي خلال هذه الأعوام الطويلة، أن أتصور القانون بمواده و قواعده أمامي و أنا أمارس الأدب، أي اني كنت مسبقا أحاذر من اختراقه بحيث أقع أنا و ما أكتب تحت طائلته التي لا تفرق بين أديب كبير أو صغير. خطرت لي هذه الاسترجاعات لعلاقتي ذات الحدين، حين اطلعت قبل أيام و بمحض الصدفة، على افتتاحية مجلة "الآداب" المنشورة في عدد أيار/حزيران بتاريخ 5/6/2007 بقلم د.سماح سهيل ادريس رئيس تحرير المجلة و تحت عنوان (نقد الوعي النقدي: كردستان- العراق نموذجاً). المقال بايجاز يتضمن في مقدمته انتقاداً لاذعاً لمن يعتبرهم دعاة الحداثة، حين يمسك بهم و هم يدافعون بشكل غريب عن عتاة الفكر الجامد. و من خلال كلام د.سماح ندخل في صلب السياسة و مذاهبها، ونجده يشير، مواربة ،إلى تأييده لأنظمة دكتاتورية تدعي الصبغة الوطنية. ثم ينتقل بعد ذلك إلى لب موضوعه الأساس و هو الوضع في كردستان-العراق. لا شك أن لكل عربي غيور ان يتناول هذه المشكلة الدولية المستعصية، و أن يدلي برأيه فيها، خاصة و أنها تدخل في صميم وجود دولة العراق أو عدم وجودها. إلا ان اللافت للنظر في ان د.سماح ادريس تناول هذه القضية الكبرى.. قضية كردستان -العراق.. من وجهة نظر مهرجان اسبوع "المدى" أو بالأصح بسبب حصول هذا المهرجان في الربيع الماضي. وبرغم ان هذا التناول النقدي و الفكري للوضع في كردستان-العراق، يبدو مبتكرا بعد ان تعرض فيه د.سماح ادريس بانفعال إلى وضع المرأة في هذا الإقليم ووضع العراقيين اللاجئين إليه و قضية الوجود الصهيوني على ارضه و وضع السجناء و انتهاك حقوق الانسان، الا أن ذلك لم يكن يقتضي بالضرورة مهاجمة رئيس جمهورية العراق جلال طالباني و مستشاره الأقدم الاستاذ فخري كريم؛ الا اذا افترضنا ان د.سماح ادريس يعتبرهما مسؤولين مباشرين عن تردي الوضع في كردستان؛ و هذا باعتقادي تجنّ كبير عليهما، فالمسألة الكردية كما هو معلوم مسألة دولية و ذات امتدادات زمنية عميقة و اختلاطات اجتماعية في غاية التعقيد، بحيث لا يمكن منطقيا ان نعتبر شخصين فقط هما المسؤولان عن كل ذلك.. ان النقد الفكري البناء يستند إلى قاعدة أدبية تحاذر ان تتجاوز النقد إلى التجريح و تحاول ان تكبح جماح الاندفاع العاطفي غير المسؤول، لئلا يصطدم مع القانون و يخرق مواده فينقلب السحر على الساحر و يجد هذا النقد الفكري البناء نفسه قد تهشم من دون أن يعرف الأسباب. و اذ أعود، مع الاعتذار، إلى التوطئة في أول هذه الكلمة، فلقد كانت لدي نقطة واحدة بشأن افتتاحية د.سماح ادريس و ملاحظته حين تسلم لائحة الدعوى.. فمع اعترافي الكامل بحقه ان يبين رأيه كما يشاء و بأية طريقة يراها ملائمة و ان يتحمل نتائج كل ذلك؛ إلا اني - كقاض سابق- اندهشت لرد الفعل الذي انتاب د.سماح ادريس حين استعمل الاستاذ فخري كريم حقه المشروع بإقامة الدعوي حسب الأصول لدى المحاكم اللبنانية. لقد فاجأ ذلك العمل القانوني د.سماح ادريس . كان بوده أن يتلقي رداً من الاستاذ فخري كريم فتلقى دعوى. كان يريد ان يتناقش و يتناقش و يرد على الردود وعلى ردود الردود، و في الأثناء يمكنه ان يعاود ترديد ما قاله في افتتاحيته من أمور سيئة بحق الاستاذ فخري كريم. غير ان المعتدى عليه لجأ إلى المحاكم، وحسناً فعل، فلسنا في أزمنة الانتقام الشخصي او التسويات العشائرية. ذلك ان هذا الحق، حق الدفاع عن النفس، هو حق مقدس أخذت به كل قوانين العالم المتحضر؛ و في ظني ان من باب الاحترام للنفس ان نأخذ به نحن ايضا و ان نبجله و نعترف به كحق مشروع. و هذا يذكرني بما يكتبه الاخوة في (البديل) على موقعهم الالكتروني. لقد اطلعت على صفحات غريبة من السباب و الحط من كرامة شخصين هما الأستاذ فخري كريم و المحامي الأستاذ أحمد الزين؛ و في رأيي ان هذا الكلام ينال منهم أكثر مما ينال من الشخصين المذكورين، خاصة بالنسبة إلى المحامي أحمد الزين، فالرجل يدافع عمن يطلب منه ذلك لأنه درس القانون و مارس المحاماة سنين طويلة و مهنته تستدعي ان يدافع عمن يعتقد انه مظلوم. و في اعتقادي، انه لن يتأخر عن مساعدة الأخوة في (البديل) قانونياً اذا كانوا بحاجة لهذه المساعدة و طلبوها منه. لماذا نعتبر ان من حقنا ان نوجه التهم الخطرة احيانا إلى كل من نسمع عنه اموراً سيئة وغير ثابتة او من نكرهه سياسيا او من نظن انه يعمل ضدنا ولا يتلاءم موقفه مع طروحاتنا الفكرية و المزاجية؟ تلك قضية خطيرة يتمتع الشعب العربي بلوكها كتابة و شفاهة و لا أعرف سببها او مصدرها. أغرب ما اطلعت عليه حديثاً دعوة من مثقفين عرب شغلوا مناصب كبيرة في غفلة من الزمن، يطلبون الا تحاكم المجلات الأدبية عما تنشره. هذا طلب عجيب و قصير النظر، ولعل هؤلاء تصوروا الأدب قصائد وقصصاً وروايات فقط و لم يخطر لهم انه قد يتضمن اضافة إلى ذلك مقالات و افتتاحيات ( نقد الوعي النقدي: كردستان-العراق نموذجاً) سياسية او اجتماعية تمس اخطر القضايا التي تخضع لسلطة القانون. هذه أمور يجب ان تحسب بدقة قبل توقيع المطاليب. و في اعتقادي ان مثل هذه الطلبات يمكن ان تتوسع - و لمَ لا؟ - فتشمل عدم محاكمة مؤسسات رجعية هي على يمين اليمين و قد تصل إلى عدم محاكمة ميليشيات "وطنية" و أعضائها - و لمَ لا؟- مادمنا مع النقد الحداثي البناء؟
عن الزميلة (الزمان)
|