|
المدى تقدم عملاً وطنياً
الفريد
سمعان
اعتادت بعض الاقلام الإدلاء بتصريحات بعيدة كل البعد عن واقع الحال،
وعن الظروف التي يعاني منها الأدباء والمثقفون في العراق. وغالباً ما
تكون كتاباتهم بعيدة عن الجهد الحقيقي الذي يبذله معظم مثقفي العراق،
من اجل ترسيخ خطى الثقافة وتوجهاتها نحو المستقبل.
فمن المعروف ان الثقافة لا تزدهر لمجرد كونها ثقافة، فهي بحاجة إلى ان
تمد جسوراً وبمختلف الاتجاهات لكي تقدم أفضل ما لديها، ومن بين هذه
الجسور الحقيقية، اقامة الندوات والاحتفاليات والنشر في الصحف والمجلات
والكتابة عبر الانترنت وطبع الكتب في المجالات الثقافية المعروفة مثل
الشعر والقصة والرواية والمسرح وحتى التشكيل، فهذه اشياء لا يمكن ان
تجري مجاناً وبدون مساندة مالية وبدون عمل إداري مثابر، لذلك نجد ان
اية منظمة ثقافية، لا بد من ان تكون لها ميزانية واموال تستطيع من
خلالها الوصول إلى المتلقين.
وتختلف ايضاً المؤسسات التي تدعم هذه المنظمات، وتتفاوت الامكانيات
التي تقدمها المؤسسات والجهات الممولة وعلى رأس ذلك تقف الدولة، لأنها
وعلى انفراد اغنى من اية مؤسسة، كما انها مسؤولة عن احتضان كل نشاط
ثقافي يجري في البلد ومن هذا المنطلق تؤسس الكليات والمدارس وحتى رياض
الاطفال وتحاول ان تستوعب الوجوه البارزة من مختلف الاتجاهات، وان
تدفعها إلى الأمام لكي تقدم انجازاتها على مستوى الوطن وعلى المستوى
العالمي والحركة الثقافية عموماً.
في كل بلدان العالم لاسيما البلدان الرأسمالية، لا تتحمل الدولة كل
المسؤوليات، بل يتحملها القطاع الخاص، ويعتبر فتح المدارس ونشر الكتب
وإقامة المهرجانات من الفعاليات الضرورية لازدهار الحركة الثقافية، ومن
المعروف أن هنالك مؤسسات كبيرة في فرنسا وأمريكا وانكلترا وهنالك أسس
لمتابعة النشاط الثقافي وبرامج مكرسة للعملية الابداعية. ومن حسن الحظ
أن تتبنى جهات ثقافية عراقية سواء أكانت حزبية ام غير حزبية حيث تتوفر
لها امكانيات لدعم الثقافة بمختلف المظاهر، ومن هذه المنظمات مؤسسة
(المدى) التي قدمت قبل سقوط الديكتاتورية خدمات كبيرة للأدباء
المغتربين والمنفيين والعاجزين عن النهوض لنشر مؤلفاتهم وقدمت الأديب
العراقي إلى العالم العربي أولاً، وإلى بعض المؤسسات في العالم، حيث
اقيمت المعارض والمكتبات والمنشورات المختلفة، وكان لها أسبوع خاص،
تجمع فيه اشتات متنوعة، وتلقى المحاضرات والقصائد وإقامة معارض تشكيلية
وحتى المسرحية والأناشيد والاغاني التي تضع لمساتها على الفن العراقي
المغترب.
إن ما قامت به وتقوم به مؤسسة (المدى) عمل جدير بالاهتمام والرعاية
والشكر ولا أدري لماذا يرتعش البعض من قيام هذه المؤسسة بمعاونة الأديب
عندما تنشر له انتاجه او يكرم لتقديم بعض الاعمال الرائعة. وما هو
الضرر في أن لا يكون الأديب العراقي يعيش ضائقة مادية، ويستجدي من هنا
وهناك لكي يعيش لاسيما هو يمتلك قدرات كبيرة مثل أي صاحب مهنة. ونحن لا
نلوم الطبيب او المهندس وحتى النجار والحداد إذا ما أخذ اجوراً، فلماذا
نلوم الأديب إذا ما أخذ أجراً على ما يقدم لاسيما وهو لم يمتلك هذه
القابلية عبثاً وإنما جاءت عن تعب وعناء وملاحقة مختلفة الفعاليات
الثقافية منذ نعومة الأظفار. ولا أدري ان كان هؤلاء الناقدون، يريدون
ان يموت الأديب جوعاً، ضمن إطار التعفف المصطنع وغير الواقعي!
اننا نشيد بما تقدمه (المدى) من خدمات ومجهودات وعناية بالأديب والمثقف
ونطالبها بالمزيد من ذلك، لكي لا تكون مهنة الأدب تسولاً بل شرفاً لكل
من يحترم الكلمة ويقدمها بمحبة للمجتمع. |