سماح إدريس وجوقته

 

عبد الرزاق رشيد الناصري

 

حين تختلط الامور، وتلتبس المفاهيم والقيم، ينشط أولئك النفر من الانتهازيين وسماسرة السياسة في التصدي لكل ما هو مفيد وضروري، في بقايا القيم والاعراف الخيرة النبيلة، تلك التي يحاول المخلصون من المثقفين والادباء والمفكرين، الحفاظ عليها من الضياع والغدر، مضحين بذلك بالجهد وبالمال، لا بل بكل ما هو غال ونفيس، وذلك من منطلق فكري واخلاقي قويم.

لا يخشون لومة لائم ولا شماتة موتور لئيم. وهم اذ يفعلون ذلك يعرفون جيداً ما ستكون عليه ردود الفعل لدى اولئك النفر من الانتهازيين فهم لابد من ان يبداوا بالغمز واللمز، وبالتشكيك والايهام، ولا ينتهون بالشتيمة والقذف بعد ان تعييهم الحيلة، وتخذلهم الوسيلة.

وطالما ظل المثقف الملتزم، والمفكر الشريف ماضياً في ممارساته التنويرية والثقافية فهم يزدادون شراسة وعنتاً في الدس، والتشنيع وفي التشهير والافتراء وباطلاق الشائعات، والتقويل والتكذيب.

والامثلة على ذلك كثيرة في الماضي البعيد والقريب، وفي الحاضر الراهن، ولعل اشدها وقاحة وصلفاً، واكثرها ادعاء وتمويهاً ما قام به سماح ادريس في مجلة الآداب من تهجم وافتئات وكذب، ومن قذف وشتيمة لشخص المناضل، والمثقف الكبير، والصحفي البارز، فخري كريم صاحب مؤسسة (المدى) للاعلام والثقافة والفنون ورئيس مجلس الادارة، رئيس التحرير لجريدة (المدى). مشككا بعطائه الفكري والثقافي وبأياديه الكريمة في دعم الجهد الثقافي والفكري، والادبي مهما ضؤل املا في إغنائه ودفعه إلى النمو والارتقاء.

وكذلك محاولة التعتيم والتغييب لحضوره الفاعل في الحياة الثقافية والفكرية والادبية المتمثلة في نهارات (المدى)، وفي الاسابيع الثقافية والمهرجانات التي تسهم في لم شمل الادباء والكتاب والمفكرين والفنانين، وتوفير مناخات التقارب والحوار لهم، والتعرف على وجهات النظر المتباينة والمختلفة، واذكاء روح النقاش والجدل، والابداع في شتى صنوفه واجناسه، من خلال تلكم الفعاليات الكبيرة الباهرة....

وهنا لا بد من ان نسأل: ترى ما الذي يبتغيه فخري كريم، من توزيع كتاب جريدة (المدى)، الشهري مجاناً لجميع القراء؟

 وما الذي يرجوه فخري كريم من مساعدة الادباء والفنانين المرضى منهم على العلاج والتداوي خارج العراق، لتعذر ذلك في العراق في الوقت الحاضر؟ وهنا تحضر في ذهني حادثة واحدة، ذات دلالة بليغة وعميقة في انسانيتها وسموها.

 لقد تعرض الفنان عبد الوهاب الدايني، إلى اعتداء اضر بعينيه حتى ليوشك على العمى، وقام فخري كريم مبادراً بتكاليف ارساله إلى الخارج لاجراء العملية والعلاج.

 وعندما جاء عبد الوهاب الدايني إلى مقر جريدة (المدى) ليشكر فخري كريم على هذا الموقف، قال له فخري كريم: ارجو ان تذهب سريعاً لاجراء العملية والعلاج وحين تعود سالماً، سأكون انا من يشكرك.

 هذا المثل واحد من عشرات الامثلة، لا اريد هنا تعدادها.

 ومرة أخرى، ماذا يرجو فخري كريم من القيام بمساعدة عشرات الشبان والشابات على الزواج، وقيامه بالتكاليف المادية والمعنوية، لمهرجان الفرح الكبير هذا؟

 وماذا ايضا يبتغي فخري كريم، من حث الفنانين على الابداع في مسابقات فنية جمالية للتصوير الفوتوغرافي وغيره؟ وماذا يرجو فخري كريم من مساعدة اصحاب المكاتب والباعة الصغار الذين تعرضوا إلى العدوان والارهاب، في تفجير شارع المتنبي؟

 وماذا... وماذا وماذا..الخ.. كل ذلك يتحول لدى سماح وجوقته إلى عدوان على الامة العربية ومساندة الاستعمار والصهيونية هكذا ببساطة وخفة، كخفة النشالين والحواة.. لقد مرت مياه كثيرة تحت الجسور، وجرفت معها الكثير من الاسمال الفكرية الرثة، والاوشاب شبه الثقافية والمدعية.

 ولان المتخلفين والمفسدين لا يقرون بالتغيير ولا يعترفون بالقصور والتحجر، الذي يتلبسهم بوعي منهم او بدون وعي، فهم بمحاولات بائسة بليدة، يحاولون اسقاط خطاياهم وفشلهم واندحارهم، على الاخرين.. متطابقين مع القول: هناك أناس لا يعملون ويسيئهم ان يعمل الآخرون.

 لا بل اكثر من ذلك: هناك اناس لا يصدقون، ولا يستحقون، ويسيئهم ان يصدق الاخرون، وان يلتزموا بالحياء والعفة، والنزاهة.. وهذا ما فعله سماح ادريس، والجوقة التي رافقته، في عوائه الكريه وزعيقه المنكر.

 وهو إذ يمارس هذا الدور، متوهماً انه يتحصن، بسمعة مجلة الآداب، الحسنة، إفتراضاً وزعماً.

 وينسى، او يتناسى، ان هناك العشرات من المآخذ والاتهامات الفكرية التي تطول مجلة الآداب، لصاحبها، سهيل ادريس، الذي مارس الترويج طويلاً على صفحات الآداب لبعض الافكار الظلامية، والرجعية والمتخلفة، من الآداب والفلسفات التي تدعو إلى اليأس والهروب، واحتقار الانسان في نضاله ومناهضته للاستلاب والقهر.

 ربما لا يدري سماح ادريس ان الاب سهيل ادريس كان في الستينيات مثلا، يحذف بعض المواضيع والدراسات، والقصائد، والقصص، التي لا يرضى عليها النظام العراقي آنذاك، من العدد الجديد للآداب، ويرسل هذا العدد المشوه خاصاً، بالعراق، أي العدد الذي يخلو من تلك المواضيع غير المرغوب فيها في العراق آنذاك... وهذا الامر كان يفضحه فهرست المجلة، اذ كانت عناوين المواد المستلة والمحذوفة من عدد العراق الخاص، مثبتة بالفهرست. وهذا عمل، اقل ما يقال فيه : انه عمل انتهازي نفعي، تجاري رخيص وعمل غير اخلاقي، لانه يتخلى بسهولة عن افكار ومفاهيم وطروحات كان اصحابها يحاولون ايصالها إلى القارئ العراقي، الذي احس وقتها وبشدة، بالغدر والخيانة، إزاء هذا العمل المبتذل والرخيص.

 هذا المثل عارض وربما يكون بسيطا مقارنة، بأمثلة عديدة خافية ومعلنة.

 وانا هنا لا اريد تقديم احصائية بكل المآخذ والانتقادات التي كانت توجه لمجلة الآداب ولصاحبها سهيل ادريس، ولا في نيتي تتبع سقطات وممارسات سهيل ادريس في الكثير من مواقفه واعماله.

 المهم في الموضوع هو ان لا يتصور سماح ادريس والجوقة التي ترافقه ان الحصافة، والعقل، والضمير، ستكون مهزومة وعديمة الجدوى، مع تخرصاته وافتراءاته ودجله. واذا كانت الثقافة كما يقول استيفان تسفايج:

 هي مخاتلة الحياة المادية الفظة، والحصول منها على الفن والحب، أي على أرق وأجمل ما فيها وابدعه، وأكثره سحراً وغموضاً.

 اذا كانت الثقافة هكذا فهي عند سماح ادريس وجوقته، مغازلة ومعاقرة الحياة المادية، والاختباء تحت عباءة سدنتها، ومباركة فظاظتها ووحشيتها، وعنتها وجورها، والتضحية بالفن والاستعاضة عن الحب بالكراهية، وعن الجمال، بالموجدة والحقد.