|
مثقفون وسياسيون عراقيون: سماح ادريس ضد العراق
ويتكلم بلسان السياسيين
نزار عبد الستار
اتسعت بشكل لافت دائرة الاهتمام الإعلامي العراقي بتداعيات الدعوى
القضائية التي رفعها رئيس مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون فخري
كريم ضد الدكتور سماح ادريس اثر المفتتح الذي كتبه الاخير في مجلة
الاداب وطعن فيه الثقافة العراقية وشخص فخري كريم؛ فقد واصل المثقفون
العراقيون والسياسيون والنشطاء في منظمات المجتمع المدني التوقيع على
بيان تضامني ردا على الحملة الاعلامية التي تروج لها جريدة الاخبار
اللبنانية تحت مسمى ( ميثاق شرف بين انصار الكلمة الحرة ).
البيان العراقي المناهض لوثيقة الاخبار اللبنانية تعاضدت فيه تواقيع
جديدة لسياسيين وشخصيات اجتماعية مرموقة في ظاهرة تعد الاولى من نوعها
منذ عقود والاكثر اثارة.
جاء ذلك بعد ان صعّد الاعلام العراقي، بتعددياته المختلفة، من دفاعه عن
الثقافة العراقية الجديدة باعتبارها التكوين الاكثر اصالة والاشد دلالة
على وحدة النخب العراقية المثقفة ووطنيتها. واعاب الاعلام على
المتضامنين مع الدكتور سماح ادريس حشر الثقافة العراقية في مضيق مناصرة
غير موضوعية افضت بهم الى انتقاص غير مبرر لا يعبر عن غيرة حقيقية
وانما عن تعصب سياسي غير بناء مدفوع بأنوية معادية. وشكك المثقفون
العراقيون بدوافع الحملة الاعلامية التي تديرها جريدة الاخبار
اللبنانية وعدوها نابعة من تعصب سياسي يرتبط بوشائج مع النظام العراقي
السابق.
هذه القراءة دفعت اكثر من 100 برلماني عراقي إلى التوقيع على بيان
المثقفين كما دفعت المئات من النشطاء في مجالات المجتمع المدني ورؤساء
العشائر والوجهاء إلى الحاق تواقيعهم بالبيان فيما ذهب كتاب إلى وصف
حملة الاخبار: بانها خروج عن المسار المهني لهذه الصحيفة والعمل على
خلق ازمة لبنانية عراقية من نوع خاص.
الاستياء الثقافي امتد الى الكتّاب الكرد حيث نظموا احتجاجات بمختلف
الوسائل، واصدروا بيانات باللغة الكردية ايدها المئات من المثقفين
الذين اطلقوا حملة تواقيع واسعة شملت اقليم كردستان في سابقة تعد
الاولى.
البيان العراقي اورد نقاط اختلاف جوهرية حيث اوضح أن هذا السلوك الرامي
إلى تشويه صورة الآخرين ووصم سمعتهم والنيل من كرامتهم لا علاقة له
إطلاقاً بـ (الاختلاف في الرأي والمعلومة والدليل) وإنما يدخل في باب
الانتهاكات التي لا ينبغي السكوت عنها. ولا مكان لحسم مثل هذ الخلاف،
سوى ساحة قضاء عادل يستند إلى القانون الذي يحفظ للناس كرامتهم مثلما
يحفظ لهم أمنهم. واضاف البيان : إن محاولة مدبجي (البيان – وثيقة
الشرف) تصوير الشتائم والاتهامات والتلفيقات على إنها صورة للاختلاف في
الرأي والفكر، هي محاولة سيئة للانحطاط بخلافات الرأي والفكر إلى هذا
الدرك، كما هو محاولة مريبة لتوفير غطاء نظري وتشريعي يعطل القانون
ويسمح بانفلات أخلاقي يكون مجاله الإعلام ووسائل الثقافة. وهو انفلات
يحتاج إليه دعاة الحروب الاهلية والانقلابات وسدنة الانظمة الاستبدادية
بواجهاتها المختلفة ومرتزقة العمل الثقافي والإعلامي ومأجوروه وفاقدو
الحجة الفكرية والثقافية والسياسية.
المجلس العراقي للسلم والتضامن من جهته اصدر بيانا شديد اللهجة قال
فيه: ليس بالجديد على تجربة شعبنا بنخبه الثقافية والفنية وهي تستعيد
ألقها من جديد بعد ان تعرضت لعقود من التشويه والتزوير والمحق الفكري
والسياسي على ايدي جلاديه ان يتعرض الى الاتهامات الجاهزة من قبل اولئك
الذين تعرضت مصالحهم وامتيازاتهم للزوال بانتهاء حقبة مظلمة لم تقدم
غير الدماء وسلب الحريات والتجويع والحروب التي قادت الى الاحتلالات
المعروفة. الجديد في ذلك ان ينبري عدد من النخب لتوقيع "ميثاق شرف بين
انصار الكلمة الحرة" تطالب المعتدى عليه كي يتنازل عن حقه القانوني في
الدفاع عن النفس الذي اقرته الشرائع المختلفة، وحقوق الانسان وكأنما
يراد لشعبنا ان يذعن ولمسيرته ان تتوقف وللذين ينهشون من لحومنا ان
يستمروا. ان شعبنا الذي عاش مأساة الدكتاتورية لن يرضى ان تملي عليه
ذيول الاستبداد من جديد رؤياها المضللة وزيف تصوراتها وتحت شعارات
معروفة لتدمير الروح العراقية.فالثقافة التقدمية والقوى الوطنية ستطوي
صفحة سوداء من تاريخ ملتبس بالعنف والضلال، لانها مصممة على بناء وطنها
المنشود المتحرر من كل اشكال الاحتلالات الصدامية والاجنبية وهي لن
تنتظر طويلا فستستمر باقامة مهرجاناتها الثقافية ومسارحها وفنها وحلمها
في خلق تجربة بناءة فريدة تستعيد فيها تاريخها المجيد.
القنوات الفضائية العراقية افردت تقارير اخبارية مطولة وكرست طاولات
مستديرة لمناقشة قضية استهداف المثقف العراقي فيما اسمته ( استبيان
حقائق ) حيث اجمع المتحلقون حول تلك الطاولات على ان حملة جريدة
الاخبار اللبنانية جعلت المثقف العراقي ينتبه ويتحرك مدافعا عن هويته
الفكرية واصالة انتاجه.
وفي السياق نفسه نقلت القناة العراقية من بيروت تفاصيل غياب سماح ادريس
ومحاميه عن الجلسة القضائية فيما اجرت قناة الحرية متابعات مماثلة
واستفتت شخصيات مختلفة وعرضت، اكثر من مرة، لقاءات اجرتها فضائيات
عربية فضلا عن التغطيات التي اجرتها الصحف البغدادية وتناولت على
صفحاتها الثقافية وملاحقها الادبية مقال سماح ادريس وحملة جريدة
الاخبار. كما هاجم كتاب ما تروجه بعض المواقع الالكترونية التي بنى
ادريس حججه على ما ينشر فيها ومنهم القاص عبدالستار ناصر الذي رد على
مقال غير مذيل بتوقيع نشره موقع البديل العراقي فضلا عن عشرات المقالات
التي هاجمت سماح ادريس حيث ذهب الكاتب ناجح المعموري الى ان ادريس اعلن
عن موقفه ضد العراق وانه يتكلم بلسان السياسيين. اما الكاتب كاظم حبيب
فقد قال عن ادريس انه يجسد حقداً وكراهية غير معهودتين في إنسان أديب
ورئيس تحرير مجلة الآداب التي يفترض أن تدعو إلى المحبة والوئام
والاحترام المتبادل واحترام حقوق الإنسان واحترام العاملين في مجال
الثقافة والإعلام .
ومن جهته كتب الاديب والاعلامي سهيل سامي نادر معلقا: في الحقيقة أرى
أن صاحب نقد الوعي النقدي كتب ما كتب ليفتح معركة على طريقة الصحافة
الفضائحية، مسقطا شظايا المعركة السياسية الاصلية القائمة في لبنان
والمنطقة بكل امتداداتها في العراق المحتل على فخري كريم . إنه ببساطة
كتب تحت ضغط السياسة نص سباب وتخوين، ثم راح يحمي نفسه بحملة ميثاق
شرف.
اما كاظم الحجاج فقد كتب تحت عنوان (لانهم يكرهون العراق يا عبد الستار
):منذ مطلع الخمسينيات تحديداً، كانت مجلة (الآداب) البيروتية هي
المنبر الاول والمفضل للادباء والكتاب والمثقفين العراقيين الرواد
واللاحقين على حد سواء. ويومها كان العراق عضوا رئيساً في (حلف بغداد)
ويومها كانت بغداد الملكية متهمة بالعمالة للانكليز.. بل كان العراق
محتلا اصلا وفصلا. لكن لم يعان الكتاب والادباء والمثقفون العراقيون
وهم تحت الاحتلال من قيود النشر في (الآداب) ولا في غيرها كونهم عملاء
للمحتل.. كما لم يصل عداء العروبيين لملوك العراق المحتل- زمانذاك-
ولوزرائه واحزابه ولمجلس نوابه، ومن ثم لشعبه كله، إلى درجة العداء
التي هي عليها الآن، (لن نسأل: لماذا؟!). لكن موقف (الآداب) ومعها
التيار القومي والعروبي قد تبدل عدائياً بعد ثورة تموز 1958 يوم تخلص
العراق من الاحتلال البريطاني ومن حلف بغداد، بل حتى خروج الدينار
العراقي من دائرة الاسترليني. ويتفاقم العداء العروبي (أدبيا) في مؤتمر
الادباء العرب، الذي انعقد في الكويت، حيث هوجم الوفد العراقي من قبل
الادباء القوميين العروبيين اياهم علما ان الوفد العراقي كان برئاسة (الجواهري)
الذي كان رمزا للوطنية العراقية والعربية على السواء. (ولم يكن العراق
محتلا). وكان احتفاء (الآداب) الشهير بشاعرنا الكبير (البياتي ليس لانه
صار كبيرا فجأة عند (الاداب) بل لانه (استعاد وجهه العربي). بعدما كان
وجهه اعجميا- شعوبياً- ماركسيا!.. واليوم كذلك يقف الدكتور سماح ادريس
مع مومياءات (الامة) التي هي من المحيط الهادر حتى الخليج الثائر! يقف
مع خير الدين حسيب ومعن بشور ومع (مشروعهم) اللغوي الانشائي- الذي فشل
منذ نصف قرن واضاع فلسطين إلى الابد. يقف معهم كي يشتموا العراقيين
وأدباءهم حصراً.
فخري كريم الذي اكتفى بقطر الدعوى القضائية الشخصي واخرجه الاعلام
العراقي من دائرة القضية العامة ظهر على صدر صحيفته (المدى) ناعيا مؤسس
الاداب سهيل ادريس حيث قال: ان الثقافة العربية فقدت احد رموز التجديد
فيها من خلال منبر الاداب التي كان لها خلال مدة ترؤسه دور متميز في
اثراء المشهد الثقافي بقيم الحداثة والتجديد .
رحيل الاديب الكبير ادريس الاب جدد قضية مقال ادريس الابن في الصحافة
العراقية ووسع من دائرة الاهتمام العام بها فقد كتب الناقد ياسين
النصير قائلا: من المستغرب ان لا يكون سماح إدريس مثل ابيه يوم وقف
طيلة فترات طويلة ضد الثقافة المعطلة للنهضة الفكرية، فجند الآداب لهذه
الحركة.
وتابع النصير: نستغرب تماما أن يكون موضوعه هجوما على اللبراليين العرب
في مرحلة نهوض قوى ثورية جديدة مغايرة للخطاب القومي.. قوى تتعايش مع
حركات العالم وقواه الجديدة بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي.. قوى تتلمس
طريقها وسط ألغام فكرية كثيرة تبثها اميركا واسرائيل من أجل تمرير
خطابهم الفكري ومشروعهم الصهيوني على المنطقة. ففي الوقت الذي نحتاج
فيه إلى لجم إيران من اللعب الفوضوي في المنطقة نجده يشن هجوما على
الحريري وعلى لبنان وعلى العراق والثقافة العراقية وعلى الشخصيات
الوطنية في حين يتجاهل دولا ومنظمات ثقافية وصحفية طبلت للمشاريع التي
وقعت معاهدات كامب ديفد واسبانيا وغيرها!.
اما الكاتب الساخر وجيه عباس فقد كتب متهكما: الآداب البيروتية صفة
أخرى لواقع عربي مأزوم يريد أن يلتصق بالعقل العربي خارج منطقة الرحم،
لهذا لا بد من ان تكون الولادة مشوّهة، لكن صاحب الحي اللاتيني أقنعني
بأن النار تخلّف رماداً حين أسند هذه المؤسسة إلى ولد عاق من أبناء
الثقافة البيروتية.
|