القانون لا يحمي سماح ادريس

 

 

إبراهيم سبتي

 

لقد ظل البعض من العروبيين والقومجية ، اسارى نظريات ومفاهيم عفا عليها الزمن وانهارت معانيها بفعل عوامل الرقي والوعي الجديد الذي تلبس الحاضر السائد بانظمته الثقافية والتجديدية في مسارات كثيرة ، اولئك الذين ظلوا يرمون المثقفين في العراق بشتى النعوت والالقاب التصغيرية متناسين ان من تصدى للديكتاتورية وانتفض لكرامة الثقافة ، هم المثقفون وحدهم وهو دليل على عمق المأساة التي مروا بها في العراق طيلة عقود . ودليل على ثراء الخزين المعرفي الهائل الذي يمتلكونه دون غيرهم . اولئك الاخوة في الدم والمصير ، لم يرق لهم ماحصل في العراق من حرية ثقافية ، الحرية التي لم تكن معروفة ولم يجرؤ احد من اخوتنا المحترقة قلوبهم علينا ، ان يتحدث علانية عن مأساتنا و آلامنا ومحنتنا ونحن نعيش قاب قوسين من الموت والفناء .. العرب اولئك ، كانوا ياتون قادمين الى البوابة الشرقية لالقاء القصائد التمجيدية والقصائد الاعلامية ليقبضوا الشكر وشهادات التقدير ومصروف الجيب الفاخر .. لم يعرفوا يومها عمق ما نعاني ، بل لم يكتبوا حرفا واحدا من تلكم المشاهد البائسة التي كانت تعيشها الثقافة العراقية ولم يجهروا او يصرخوا بالحق دفاعا عن مثقف عراقي يرزح تحت الخيبة والقهر.. اما سماح ادريس الذي يهزأ ويسخر من التغطية الاعلامية التي قامت بها بعض الصحف والفضائيات لفعاليات وانشطة مهرجان المدى الخامس ، لهو امتهان لكرامة الفعل العراقي الثقافي والتقليل من اهمية أي نشاط وفعالية عراقية في عصر ما بعد سقوط التمثال . ناهيك عن مدى البغض الدفين للبعض ممن ينظرون للعراق الثقافي بعين واحدة تحسبا من العمى او العشو جراء الصدمة التي سوف تواجههم من الحرية وانفتاح فضاء الوعي الجديد بعد ان انحسرت الفكوك المفترسة عنه وازيحت قضبان الكراهية والانتقاص من الاخرين ..

 ( للمدعي عليه سماح ادريسٍ في مقاله موقف سياسي معاد لما يجري في العراق ولا سيما في كردستان ، وموقف سلبي من مهرجان المدى الثقافي الخامس وموقف ناقد وساخر من التغطية الاعلامية لمهرجان المدى .. للسيد سماح ادريس حقه باتخاذ الموقف السياسي الذي يريد وبالتعبير عن ارائه في شتى المواضيع ، ولكن ليس من حقه ان يتجاوز حدود النقد المباح وقواعد البحث الموضوعي واداب المهنة وقيمها ، الى سلوك الكراهية والاهانة وتعمد المساس بكرامة احدى الشخصيات الادبية المرموقة كالاستاذ فخري كريم والتشهير به .. هي اولا واخرا افتراءات لا اساس لها من الصحة . ) .. هذا جزء من الدعوى المقدمة ضد سماح ادريس ومجلة الاداب ..

.. وفي متن الدعوى ، سنجد ان للسيد سماح ادريس الحق في اتخاذ الموقف السياسي الذي يريد ، الا ان ذلك الموقف صار تشهيريا وقد رمى بسهام مشبوهة ، المشهد الثقافي العراقي الذي يتعافى بفعل ما يقدمة بعض المثقفين العراقيين من جهد وفكر واموال لإنجاح كل خير ثقافي من شأنه ان ينهض بواقع الثفافة واجتياز الخطوط الحمر التي وضعت منذ عقود داخل البلاد التي حكمت بالانتقاص وتقليل الشأن دائما .. ان قيام السيد ادريس بنشر مقالته في مجلة الآداب ، هو انتهاك صريح لسياسة المجلة المثبتة على غلافها عبارة ( الاداب .. تتضمن ملفات في الفكر السياسي والشعر والرواية والقصة والسينما والمسرح والثقافة عامة . ) وهذا دليل فاضح على انتهاك السيد ادريس لقانون مجلته ما يدل على انه اراد نشر مقالته في مكان آمن لا يرضى احد غيره ان ينشرها في مطبوعه لما فيها من التشهير والكلام الموتور عن الثقافة العراقية .. ان مقالة ادريس لايمكن ان تكون سوى برهان جلي على مديات تأثير الثقافة العراقية الجديدة رغم كل المحن التي مرّ ويمر بها العراق ، وهو تحد في وضح الشمس لكل الأصوات المعادية والتي لم تكن يوما غيورة على المثقفين العراقيين الذين تبعثروا في الشتات والأصقاع واعدموا وماتوا غرباء عن بلادهم ، هربا من ديكتاتورية مقيتة .. اين كان ادريس من كل هذا ؟ هل اقول له بأن شعراء العراق يموتون غرباء في الأصقاع الباردة وهم جذوة متقدة من الإبداع والفكر والتنظير الشعري والقامات الشامخة والأثر الخالد والبصمة الخالدة عراقيا وعربيا وعالميا !

يموتون لأنهم هربوا من وضع مأساوي كان يطاردهم حد القتل والترويع لانهم لم يكونوا يوما الا وطنيين عراقيين يحبون بلادهم وماتوا من اجله .. أين كان ادريس من الصروح الشامخة هذه ؟ لماذا لم يقل كلمته وينصفهم حتى لو بمقالة صغيرة تثبّت تاريخيا لصالحه . وهل ان قدر الثقافة العراقية ان تظل دائماً مراقبة وممنوعاً عليها ان تتجاوز المرسوم لها مثلا ؟ ام ان كل ما يحدث هو امتعاض وضجر من بعض الاخوة الذين ازعجهم الانفتاح الذي انطلق بحرية في فضاء العراق من اقصاه الى اقصاه ومن جنوبه الى كردستان .. لقد انطلق السيد ادريس بمقالته ، بانفعال واضح حول مهرجان المدى الخامس الذي اقامته مؤسسة المدى بإشراف الأستاذ فخري كريم الذي أولاه كافة الحرص والنجاح لتعزيز أواصر الثقافة العراقية مع غيرها من الثقافات .. وهذا ماحدث بالفعل . وان المدى عراقية المنبع والجذور وليست سوى بذرة صحيحة تريد ونريد لها ان تساهم في رقي الثقافة العراقية مع جهات وطنية اخرى .. ولا يمكن ان يكون أي مهرجان ثقافي وطني عراقي ، الا استنفاراً للخزين من الطاقات التي كانت مغيبة والتي كانت مقضبنة خلف الظلام المروع .. ومن هنا كان مقال ادريس مليئا بالكراهية والبغض وخاصة عندما يهاجم الرموز الثقافية العراقية والمثقفين العراقيين عامة من خلال مقاله الافتتاحي في مجلة الآداب البيروتية العدد 5 / 6 لعام 2007 والمعنون (نقد الوعي "النقدي": كردستان ـ العراق نموذجاً ). فهو يقول : ( بين 29 نيسان و6 أيار من هذا العام أُقيم "مهرجانُ المدى الثقافي الخامس" في أربيل، عاصمةِ إقليم كردستان ـ العراق. فلم تَبْقَ جريدةٌ لم تُدْعَ إلى هذا المهرجان، وتدفّقت المدائحُ السلطانيةُ لنشاطات المهرجان وراعيه (“الرئيس" جلال طالباني) ومديرهِ الناشرِ الزميل فخري كريم "الذي يساوي وحدَه ورشةً كاملةً" بحسبِ ما كتب الصديق أحمد بزّون في جريدة السفير. ) .. ان المدائح التي يتكلم عنها لم تكن موجودة في فضاء الحرية الجديدة .. لماذا المدائح السلطانية طالما ان المثقفين ينعمون بحرية القول والتعبير ونقد المسؤول حتى ان البعض ينتقد صراحة اداء المسؤولين الكبار في اوسع الصحف العراقية انتشارا وهذا مالم يحصل في أي بلد عربي ولن يحصل مطلقا .. فالعراقي ألان يستطيع ان يكتب عن رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ، نقدا موضوعيا من باب الإفادة والاستفادة من الأخطاء التي لايمكن لاي شعب خارج من نظام مستبد ان يخلو منها . اما المدائح فلم نعرف غير مدائح بعض الشعراء العرب والفنانين والادباء في حضرة الديكتاتور لغرف الاموال العراقية من البلاد المستباحة المجروحة والتي لم نر أي حرقة قلب من احد على مايجري وقتها بين ظهرانينا . وشكلت المأساة خيبة في نفس كل مثقف عراقي وهو يرى ان إخوته في الدم والمصير يستلمون من خيرات العراق مالم يستلمه العراقي في كل حياته . في حين كنا نسمع عن مؤتمرات في خارج العراق أي في مرابع اخوة لنا في التاريخ واللغة ، لكن لم نسمع ان مئات المثقفين قد حضروا ، بل كانت محدودة مع انها باموال حكومية وطبعا كان العراقيون يقرأون عنها في الاخبار الثقافية الا ماندر منهم ، ولم نقرأ ان كاتبا عربيا هاجم مؤتمرا من ذلك النوع ويتهمه باتهام ما .. وعندما يكتب السيد ادريس مدعيا على الثقافة العراقية والدبابة الامريكية ، فهذا قدرنا الذي اوصلنا اليه الديكتاتور الذي لم يع حقيقة مايجري من حوله ولم يسمع كلام العراقيين في الشوارع الذين امطروا الفضاء بصيحات التحذير والاستغاثة والنذير القادم . العراقيون الذين تمسكوا ومازالوا ببلادهم ولم يفرطوا بها رغم كل ما صار ويصير . فحكامنا كانوا يدركون تماماً ان القادم شيء مفزع للعراق وان التغيير قادم لا محالة ، الا ان العنجهية ظلت كما كانت لم تتغير .. وان قضية الاحتلال هي قضية لم يكن للمثقف يد فيها لانه لم يكن اصلا قادرا على ايصال صوته الى ماوراء الجدران السميكة المروعة .. اما المدائح التي يذكرها فهي لا تعد كونها كلمات ونشاطات متفائلة بمستقبل كان حلماً كبيراً لكل مثقف بعد سقوط تمثال ساحة الفردوس وبعد ان انجرفت الثقافة عقودا عن مسارها الطبيعي الذي لم يكن يمثل الحد الادنى من الموروث والمخزون والابداع الضخم بكل شيء . ان قضية ادريس لم تكن سوى صيحة رفض واضحة لكل ما حصل بعد اذار 2003 وهو نموذج لغيره ممن لايريدون للعراق الثقافي ان ينهض من كبوته على يد ابنائه من الراعين للثقافة والمثقفين . قالقانون لا يحمي سماح ادريس ولا مجلة الآداب طالما لم يقدم اعتذارا مباشرا وفي المكان نفسه الذي انتقص فيه من الثقافة العراقية.