الإنحياز إلى الثقافة العراقية وتأريخها

جاسم عاصي
على ضوء اللقاء الذي أجرته قناة العربية الفضائية مع الأستاذ (فخري كريم)، وإنطلاقا ً من حيثيات ما طرحه للرد على كل ما إدعوا على مؤسسة المدى؛ سيكون سجالي مع سماح إدريس و من حرر قوله ومساندته،للرد على الإفتراءات الناتجة عن مواقف مخطوءة أزاء ثقافة ومثقفين، يعرف من إدعى بطلانها،ويعرف كيف هي من ثقافة متجذرة في التأريخ أولا ً، وكيف هو تأريخ المثقفين أولئك ثانياً.
لعل مثل هذه الدعوات والصرخات تجد جذورها ممتدة عميقا ً في كل ما هو محرك للواقع ونعني به واقع الآخر، الذي نحاول أن نستشرف لقاءه والإندماج معه في حوار هادئ - كما إعتادت الآداب - كمشروع ثقافي إصطف معه كل التقدميين في العالم العربي، لما لعبته هذه المجلة من دور فعـّال منذ خمسينيات القرن الماضي، أسوة بالمجلات الأخرى التي كان العراقيون يتلقفون أعدادها من المكتبات،

ومن خلالها أسمعوا أصواتهم الإبداعية. ولا أ ُريد أن أُسهب في ذلك، بقدر ما أذكر بما كانت تصدره المجلة من أعداد خاصة، سواء في حراك الثقافة أو حراك السياسة والأحداث القومية.
أعود لأقول أن هذا الموقف وغيره مما شهدناه على الساحة، لاينفصل عن مواقف بعض السياسيين والمثقفين العرب من كل ما حدث ويحدث في العراق. ولعله عميق الصلة بالمواقف لهم في فترات شهد فيها العراق أقسى الظروف. إذا ً إرتبط موقفهم بالموقف السياسي أولا ًثم تخوفهم من أن تنهض الثقافة العراقية - وهي ناهضة في حقل الذات - والإبداع دائما ً لأنها تنطلق من مفهوم واسع للثقافة وليس محددا ً بأقانيم يمكن أن نطلق عليها بالمفهوم الضيـّق للفكر والمعرفة، وإلا ّ كيف لمجلة ساهمت في كل مسيرتها لرفد المشهد بالجديد والحداثوي تميل إلى موقف آخـر مغاير تماماً، علماً أن لكل مطبوع أو قناة ثقافية سياستها ومبادئها. فالموقف هذا يرتبط بشكل أو بآخر بجملة أسباب، هي خارج منطق الأسس التي عودتنا الآداب السير عليها، والإسترشاد بهديها. فمن المفترض أن تدرك هيئة التحرير وعلى رأسها السيد (سماح إدريس) طبيعة الظرف الذي يمر به بلد كالعراق، ومثقف مثل المثقف العراقي من محنة، لا يعجز عن إستنهاض الدفاعات عن تأريخه وإرثه الثقافي الذي يمتد إلى سالف القرون ما قبل الميلاد. إنه بأزاء ذاكرة مهددة، لا يتوجب الوقوف أزاءها هكذا من دون روية ومنطق تحليلي، يستند إلى أسس ومبادئ. فالذي رأيناه هو موقف بعيد عن حقيقة ما يدور داخل البلد، ومحاولة لتحميل الشعب متمثلا ً بالمثقف وزر فعل لم يرتكبه، كذلك يُسقطون عقدهم على المثقف العراقي دون معرفة موقفه الحقيقي من كل ما يجري. فقط يعتمدون على أفراد أصيبت آذانهم بالوقر فراحوا ينقلون مالم يشاهدوه في واقع الحال، مكتفين بإنتشال ما يجب أن يؤججوه بحيث يكون قابلاً للتشويه والمراوغة. إن المثقف الوطني و (القومي) الذي يمتلك حسا ً إنسانيا ً، هو من يضع الموازنة نصب عينيه، ليس في هذه الفعالية أو تلك، وإنما في معظم ما يراه ويسمعه، مستنداً إلى موقفه الذاتي المرتبط بالحقيقة التي أفنى الكثير من بني البشر حياتهم قربانا ً للكلمة الشريفة والموقف المبدئي. الموقف الذي ينبغي أن يكون. لذا فالمعرفة بالشيء والمستندة إلى جهد ذاتي وستراتيجية أصيلة نابعة من مبادئ عامة وشاملة، غير الموقف المتخاذل أمام إغراءات المصلحة متعددة الصفات والمصادر. إننا بإزاء تأريخ يتوجب الدفاع عنه، وأننا أمام عملية إمحاء للذاكرة الثقافية. ونحن كذلك بأزاء البحث عن إصطفاف ثقافي - سياسي لإنقاذ البلد من آتون مدمر كما نستشرفه. وكما تشير لنا المبادئ التي وسعت من دائرة إستقبالنا للمتغير. وبودي أن أذكر حادثة شاهدتها يوماً، وكتبتها في صحيفة (طريق الشعب) إبان السبعينيات على شكل قصة قصيرة. كانت القصة تدور حول رجل كهل يقطن في هور الجنوب، ويومها كنت معلما ً هناك. كان ينصت إلى المذياع وهو يبث المارشات العسكرية عن حرب تشرين، وصاحب المقهى ينتقل من محطة إلى أُخرى لتأكيد وملاحقة الأخبار. وحين إنتهت كل المحطات من بث أخبارها، هز الرجل القابع في زاويته ساعده قائلا ً: ((إتبيـّن هذي داوركيسة)). ولم نع ذلك إلا بعد أن أتى علينا (هيكل) باجتهاداته قائلا ً: إنها حرب تحريك وليست حرب تحرير. فتلقفها السياسيون والمنظرون واختاروها لقمة يلوكون بها خيباتهم وخيبات ساستهم الذين طبلوا لهم مرارا ً. وأنا الآن ودائما ً أتذكر مثل هذا القول لذاك الرجل، واتساءل: كيف عرف الرجل سر ذلك..؟ وما من مدرسة دخلها..؟ والإجابة كانت واضحة في قول (المجالس مدارس) وما وجود المعلم آنذاك إلا ّ وجه الوعي وأداته في ريف الجنوب، والذي كان الإقطاع يحسب له ألف حساب. إعود لأقول للسيد سماح؛ أننا نعمل كمثقفين لإعادة مثل ذلك الوعي لهذا الإنسان الذي يعيش بين ظهرانينا ولأجيالنا التي أمحت ذاكرتهم السنين وغـُيـّب عنهم التأريخ الحقيقي، وزودوا بتأريخ من صنع الساسة. فلابد من أن يدرك سيادتكم مبلغ المهمة التي أناط المثقف بها على نفسه الآن. وما بلاغة المثل الذي ضربته سوى الحجر الذي يمكننا أن نرمي به شيطان الجهل الثقافي والسياسي، وأن لا نكتفي برمي الشيطان كل عام لاهثين، متدافعين بالمناكب مستخدمين كل السبل للوصول إليه، قاطعين الفيافي والمسافات، متناسين الشيطان الرابض في داخلنا، فهو الأجدر بالرجم.
ما نريد قوله أيضا ً أن أية فعالية تـُقام داخل البلد يتوجب عليها أن تنحو منحى إعادة الدفاع عن الذاكرة الثقافية التي تطاولت عليها أيدي التخريب الذي نشهده يوميا ً بتواتر عجيب، من التحريفات والإجتراحات، هي في جملتها بعيدة عن هموم الناس. لذا أعتقد أن إقامة مهرجانات في العراق، يتوجب أن تلاحق بنيـّة حسنة، متبعين أشرف الطرق للوصول إلى الحقيقة، لا أن يـُعتمد من له نيات سيئة، أو منطلق من أفكار مسبقة تستند إلى مصالح جماعة تدر أموالا ً لمصلحة أفكارها ونياتها المدمرة، فمؤسسة المدى حين نقلت فعالياتها إلى داخل العراق، إنما وكما نفهمه نحن العراقيين؛ إنها نيـّة بيضاء لكي يكون المثقف بمواجهة نفسه، وبمواجهة أمثاله ممن تغربوا وشـُردوا إلى بقاع الأرض، ومع المبدعين من شتى بقاع الأرض أيضاً، فلسنتين أو دورتين لم نشهد سوى المجال الحيوي من طروحات الثقافة العراقية، سيما أنها كانت ثقافة متنوعة وجادة وأولت للإختصاص أهمية إستثنائية، إيتداء من البيئة، وصولا ً إلى آخر المستجدات في الفكر وضروب الثقافة كالمسرح والرواية والقصة والتشكيل والفن الغنائي والموسيقي والثقافة الشعبية. إن تنوعا ً كهذا لايتوجب محوه بسهولة أيها الأخ سماح،وإنما مباركته، مبعدين كل ما ورثناه من زمن الضيق السياسي والقومي ناظرين بعين لاتعرف سوى الحقيقة في حالة وزن الأمور بميزان الحق. إن موقفكم هذا لايختلف عن المفارقة الخارقة التي وقفها وما زال يقفها إتحاد الأدباء والكتاب العرب، في عدم قبول عضوية إتحادنا. ترى من خول مجموعة من ضيقي الأفق التحكم بمثل هذا الضرب من الحق الذي يحاول البعض إستغلاله لنواياهم المسبقة في الكيل للمثقف العراقي. هنا لابد من القول، أننا كمثقفين عراقيين، نعي جيدا ً ما ينتظرنا من مهام هي من صلب واجباتنا الوطنية، في دفاعنا عن ثقافتنا ضد محو المحتل لها، وضد من يحاول غمط المشرق فيها، ابتداء من فكرة التنوير والعمل الفكري والجمالي، الذي لا تخلو منه الساحة الثقافية العراقية، وهي تلاحق الظواهر عبر منابر موسمية وإسبوعية وشهرية. ولا أعتقد أن ثمة عقبة توقف مثل هذا الجهد، سواء من خلال ملتقى المدى أو غيره.