الفزع من الفضاء العراقي الجديد .. سماح إدريس أنموذجا ً


ناجح المعموري


قرأت مقالة الأستاذ سماح إدريس "نقد الوعي النقدي" كردستان العراق أنموذجاً وأثارت لدي عددا من الملاحظات، سأحاول التركيز بحواري وإياه منذ ابتداء المقال حيث اتهم (الصحافة الثقافية والإعلام شبه الثقافي هو أن يتصدى مثقفون عرب، وباسم (الوعي النقدي الحديث للبنى التقليدية المتخلفة، والغيبية الغربية، والسلطات القومية المستبدة، والظلامية والواقعية الفلسطينية، واليسار الديكتاتوري) وهذا كلام مهم، اتصف بالشجاعة والجرأة، لكنه ظل عاماً ومثلما سيتأكد لنا لاحقا ً. مثل هذا الكلام لا يقوله إلا الأستاذ سماح إدريس، لكنه سيكون أكثر شجاعة لو تفضل وقال لنا من هو المقصود بالغيبية العربية، والمستبدة، والظلامية الإسلامية، واليسار الديكتاتوري،

حتى نكون على بينة ونجد لنا نصيرا ً فيما نتفق وإياه عليه، لكن كلامه خبطة جمعت الأنظمة العربية كلها، البعيدة عنه والقريبة، وما دام الأستاذ سماح يرفع صوته عاليا ً ضد مثقفي ومفكري الحداثة العربية التي تراجعت منذ نهاية الستينيات، عليه أن يكون أكثر وضوحا ً منهم ويقول ما يتوجب على المختلف قوله وهو المراقب الأمين للحداثة العربية؟ والحقيقة التي تتبادر للذهن، هي القدرة الثقافية والمراقبة الدقيقة للأستاذ سماح من خلاله مشروع الآداب الثقافي ومعرفته لتفاصيل التاريخ الثقافي في الوطن العربي أن نقرأ له كلاما ً غير الذي نشره وتفضل به موزعا ً الاتهامات والتشكيك، نريد وما زلنا نطالبه برجاء أن يدحض بالمحاورة والمعلومة تراجع أدونيس حداثويا ً كذلك بالنسبة لشاكر النابلسي وعلي حرب، كما استغرب منه الأخذ على الأستاذ النابلسي خروجه عن التيار القومي ومن بعد الماركسي، إنها ظاهرة إيجابية، كثيرا ً ما تواجهنا في مجالات الثقافة والفكر والمعرفة ولا ضرورة للتذكير بعديد من الأسماء البارزة في الثقافة العربية، وسماح إدريس على دراية بذلك، لأن مجلة الآداب شاهد على التحولات الثقافية والمغايرة وهذا دليل عافية وصواب بالنسبة للمثقف.
أنا واثق بقدرة أدونيس وثقافته العالية في قراءة فكر الشيخ محمد عبد الوهاب لأنه ذو خبرة في التعامل مع التراث، ولا أريد الإشارة لتحققاته. كما أني هنا لا أتبنى أفكار الشيخ محمد عبد الوهاب. ولم يكشف لنا الأستاذ سماح دلائله عن استجابات أدونيس للاستشراق والتفكير بآليات خطابه وقال عنه (نقرأ أدونيس ينتقد الهياكل (الثابتة) والأصوليات العربية انتقادا ً استشراقياً مليئاً بالعموميات والأحادية) وما قاله عن أدونيس وقع هو فيه، حيث عمومياته التي لم تسعفها بعض الوثائق الضعيفة المنشورة هنا وهناك، وافقدته العمومية قوة الحكمة والموضوعية، وظل خاضعا ً لأهداف شخصية ضيقة، ومنطلقاً من مصالح واضحة. أما كلامه عن عمومية الإستشراق، فهذا كلام غير دقيق، وعودة الى ما كتبه ادوارد سعيد وبيل أكروفت وكتابات ما بعد الكولونيالية والنقد الثقافي سنجد بأن كثيرا ً من الملاحظات تدحض كلام سماح إدريس هذا بالإضافة الى كتابات عربية متحفظة على ادوارد سعيد الكاشف عن حقائق استشراقية اتسمت بالأحادية مثلما قال سماح إدريس، لكنها لم تكن متسمة بالعموميات بشكل مطلق.
هل صحيح استعارة خطابات المؤسسات السياسية العربية في توزيع الأدوار وتحديد المواقع الخاصة بالأدباء والمثقفين العرب ونختار لهم ما نريد مثل أعلى وأدنى، ويتطرف في رفض الآخر مباشرة ومن غير دلائل، وكأنه يمثل سلطة ثقافية (وبالمثل، وأن على مستوى فكري أدنى بكثير، نجد شاكر النابلسي...) والمستغرب عدم توفر القدرة على قبول قرارات المثقفين وقناعاتهم، ولذا برز صوته في نفي المختلف والمتباين، ولم تعد مثل هذه المواقف مقبولة، لأن الثقافات تعددية وتعيش تجاذبات كثيرة كما قال ادوارد سعيد.
وينتهي الابتداء سريعا ً، لأنه اختصر تاريخ عدد من المثقفين بعجالة وأنا واثق من أنه غير قادر على التناظر المباشر معهم ولكن سنركز على جوهر المشكلة (القومية) التي يعاني منها الأستاذ سماح وهي العراق والحال في كردستان وضياع الخصائص في بلد سيظل ساعيا ً من أجل عناصره التاريخية ووظائفه الحضارية التي نعرفها نحن أكثر من غيرنا، ونعمل الآن وسنظل من أجلها لأننا ندرك أهمية الدور الثقافي / الفني العراقي.
إن العقدة المتحكمة بكثير من المثقفين والكتاب الذين عافهم تيارهم القومي هي كوردستان وما هي عليه الآن، ونتمنى عليهم الاستماع لنا وعدم الاعتماد على من يعادي التجربة العراقية الجديدة وفضاء الحرية الذي لم تعرفه الجغرافيا العربية الواسعة، مع كل ما رافقها من أخطاء نعرفها ونتوقع استمرارها، لكن الآتي لنا وسيظل المستقبل بانتظارها، ولأننا على الدرب الصحيح، وما حصل وما زال مستمراً هو قربان الديمقراطية والحياة الجديدة. جوهر كل هذا الكلام الصاخب والإتهامي، هو إقليم كوردستان ومؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون، حيث لا تستطيع بقايا التيار القومي استيعاب الصعود الكوردي ومشاركته بفاعلية ضمن مشاهد الاختلاف والاتفاق السياسي. ولم ارتفع صوت الأستاذ سماح إدريس الآن ضد الأكراد ولم يهمس في زمن صدام حسين بشيء عن المكان الآمن مع كل صراعاته الدموية بين أحزابه وحركاته السياسية، وتتضح صورة القومي المتعالي وهو ينظر لقومية ثانية وهو تكريس تجربتها السياسية منذ 1991. أين كان الأستاذ سماح منذ تلك الفترة الطويلة التي سلم فيها صدام حسين الشمال بالطريقة التي نعرف وتحقق المكان الآمن حق لهم وحماية من استبدادات السمكة الكبيرة التي كثيرا ً ما التهمت من كان أصغر منها.
وما يثير في المقال هو صوت التشكيك وضعف المصداقية بالذي عاشه العراق في زمن صدام حسين (وما مصداقية نقاد صدام حسين ومقابره الجماعية (وهي مريعة مثله)) لقد وضع نهاية رأيه بين قوسين تحفظا ً وهذا أكثر قسوة من شتائمه، لأنه ما زال غير مصدق بالمجازر والمقابر الجماعية بوصفها حقيقة أجمع عليها العالم وتحفظ عليها التيار القومي؟
أعلن الأستاذ سماح إدريس باعتباره مثقفا ً بارزا ً عن موقفه القومي ضد العراق وكأنه حاز على صفة المتحدث نيابة عن السياسيين، من أجل إيصال رسالتهم للأدباء والمثقفين العراقيين. ونحن أكثر معرفة بدورنا والذي نمارسه الآن. ويقف الإنكسار القومي والانهيار المريع لمشاريعه منذ الحرب العالمية الثانية ليطلق صوتا ً مبحوحا ً ضد قومية صغيرة تحررت من التعسف التاريخي ويتناسى هزائم المشروع القومي وانتكاساته العديدة، ابتداء بالتعبئات الناصرية وما آلت إليه أحلامه، ومن بعدها تعبئات صدام حسين مع إيران وغزو واحتلال الكويت ولو استطاع الفكر القومي أن يتخلص من سياق التعبئة في الثقافة / السياسية / التربية لما وصل الى هذه النتائج المأساوية، وأعني بذلك ما وصلت إليه الشعوب العربية. والتعبئة هي التي أيقظت الحلم وسرعت آليات الحنين له ويقف وراء الحملات العدوانية ضد العراق، الذي يعرف وحده حجم خساراته سابقا ً والآن.
يمثل سقوط صدام حسين انهيارا ً لا ينكر للمشروع القومي وبابا ً لدخول الحداثة ليس لأقليم كوردستان، وإنما للعراق كله وما يحصل الآن وربما سيستمر أكثر هو مجال أو مجالات للفلترة، ويكفي وجود ناظم للحياة وضابط للعلاقات السياسية مع احتكام لأصوات المواطنين وهذا وحده مثير لمخاوف البلدان العربية التي لم تفرط بالرؤساء الذين التصقوا بكراسيهم. هل هذا سبب فزع سماح إدريس، مثلما واضح في مقالته؟ فزع حاول التستر عليه معتمدا ً على وثائق واهية أو إدعاءات!! وهي كثيرة وليس صعبا ً الحصول على كثير منها، مشبعة بالكراهية للكورد وللعراقيين وما يثيره الوضع في العراق من خوف ومشاعر عدم الاطمئنان من هذه التجربة وانعكاساتها المستقبلية بسبب التعدد القومي والتنوع الطائفي في كثير من دول الجوار. إنه المتحدث بلسانها وصار صوتا ً لمن لا صوت له، وعرف كيفية التعبير عن رضاه لما هو قائم بالعراق عبر الانتحاريين والسيارات المفخخة، إنها وسيلته وعدم قبوله بإملاءات أمريكا عليهم. ونأمل أن يعرف الأستاذ سماح إدريس موقف الأدباء والمثقفين والفنانين من الوجود الأمريكي والذي لا يمثل إلا احتلالاً للعراق، ونحن ندرك هذا جيداً، ولسنا بحاجة لمن يذكرنا بالوطن وما يعنيه، بقدر حاجتنا الإنسانية بتكافل وتضامن من أجل إيقاف أنهر الدماء الزاحفة إلينا من الخارج، حتى يتمكن العراقيون من إنجاز ما طالبوا به لتسريع انسحاب قوات الاحتلال، بعد زوال الأسباب وتوفر الشروط الموضوعية لذلك. وأعرف بأن الأستاذ سماح يعرف جيداً بأن أدباء الداخل وبعض الحركات السياسية في الخارج، لم تكن مقتنعة بغزو العراق والإطاحة بالنظام السابق بالطريقة التي نعرفها جميعاً وتحقق كوارث وطنية كبيرة، مثل حل الجيش وأجهزة الأمن واجتثاث البعث وبودي أن أقول بصوت عال أن الحركة الثقافية في العراق أول من استنكر انهيار الدولة ومؤسساتها، ذلك الانهيار المريع ومنهم من تحدث بصوت مسموع عن خطورة اجتثاث الفكر، وأحتفظ بوثائق مؤكدة على ذلك. وكان الأدباء والمثقفون منذ الأيام الأولى للاحتلال وحتى الآن يؤكدون في فعاليتهم الثقافية والفكرية، وفي لقاءاتهم مع أقطاب الحكومة والدولة على سيادة العراق ومغادرة قوات الاحتلال.
نطمح أيضاً إلى أن يسأل الأستاذ سماح إدريس عن الذي جاء بالقوات الأمريكية والتحالف الواسع إلى العراق واحتلاله؟ على الرغم من إنه ألمح كاشفاً لحقيقة معروفة لنا " بأن النظام السابق هو الذي دمر كردستان العراق خلال العقدين الأخيرين وأضاف: " وتنشيطاً لذاكرتهم ربما نورد إن أجزاء كبيرة من كردستان دمرت خلال الحرب العراقية – الإيرانية 1980ـ 1988 التي بدأها صدام حسين فعلاً، ولكن بتشجيع وتحريض وتمويل وتسبيح وتأييد من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والأنظمة الخليجية وغير الخليجية الموالية لها " هذا كلام موضوعي لكنه أغفل واحدة من مجازر التاريخ المعاصر وهي الموت الجماعي في حلبجة.
***
لم يتحدث الأستاذ سماح إدريس عن مهرجانات المدى الثلاثة في دمشق لأنها كانت مقبولة خارج العراق. ولحظة عودتها إلى الوطن أثارت كثيراً من ردود الأفعال، ويبدو بأن السبب المباشر لإثارة هذه المشاعر الفزعة، هو مهرجان المدى، ويتضح هذا من تاريخ كتابة المقال في 29/5/2007، أي بعد انتهاء فعاليات المهرجان. كما أدرك الأستاذ سماح إدريس بأن المدى تحولت من دار للإعلام والثقافة إلى مؤسسة متنوعة العناصر، ابتداءً بالاجتماعي / الثقافي / الفني / والفكري والمعرفي ولم تعد مكتفية بدورها للنشر والتوزيع، بل اتسعت وتعمقت وحققت ما لم تستطع عليه وزارات ومؤسسات من حيث عدد الدعوات ومستوى المدعوين، وتنوعها، وأيضاً بما أثارته من حوار وجدل خلال أسبوع كامل. وبإمكاننا حصر الصراع بمجاله الثقافي وبرامجه المتنوعة، التي أفضت بالمدى إلى أن تكون حاضنة ثقافية / وفنية للعراقيين، وتأتي هذه الحاضنة بعد أسابيع من سقوط النظام. والسؤال الذي يتبادر للذهن ماذا لو عرف الأستاذ سماح إدريس بالأنشطة الأخرى والأدوار التي نهضت بها المدى؟ سأتحدث عن ذلك كي يطلع على ما يعرفه العراقيون جيداً، أقامت المدى عدداً من نهاراتها الثقافية / الفنية / الاجتماعية احتفاء بالمبدعين واستذكاراً للآخرين، وقدمت دعماً لا بأس به للمتضررين من دمار شارع المتنبي وأقامت فيه نهاراً لها، تحدياً للقتلة والإرهابيين وتأكيداً على حيوية طائر الفينيق (شارع المتنبي) الذي سيعاود انبعاثه ثانية. وللمدى صندوق للتنمية الثقافية قدم دعماً متحركاً وثابتاً لأعداد كثيرة جداً، وأعرف بأنها سخية مع عدد من العوائل الاجتماعية وذات التاريخ الوطني، ومدت يدها لكل من هو بحاجة إلى دعم للعلاج في الداخل أو الخارج. وأرجو أن لا يضيق صدر الأستاذ سماح إدريس من هذه المعلومات التي أعرف،لأني قريب من المؤسسة ومطلع على قليل مما هو حاصل وما زال مستمراً ولابد من التذكير بأنها أولت اهتماماً بالبراعم المبدعة، وتبنت المشاريع الثقافية نشراً وتعريفاً مع مكافآت مجزية، هذا كله وغيره كثير، هو نشاط هذه المؤسسة ورئيسها الأستاذ فخري كريم وليس " ناشرها " وواضح أن سماح إدريس تناسى كل برامجها ووضع يده على العمود الفقري في مشروعها في الحاضر والمستقبل. هذا المشروع / الحلم جاء إلينا مع فضاء الحرية الجديد والذي سيكون عراقياً ويظل.
وستواجه الروح العراقية بعد عودتها مخاضات صعبة وقيصريات مخيفة، ولكن لا تعطلها وستفضي إلى يقظة الوعي الوطني وتناميه بين العراقيين وحصراً قاعدة الثقافة والفنون، ولن ننكر الصعود الثيوقراطي كواحد من الظواهر الصاعدة بعد التغيير، ووفر لها الدستور فرصاً واسعة. هذه اليقظة الجديدة / المغايرة لما هو قائم في البلدان العربية من حيث الاختلافات، والتنوع / والتباين، ويكفي اليقظة العراقية استمرارها الحتمي، محمية بناظم دستوري يحقق لها انسجامات وطنية أكثر وضوحاً في المستقبل.
أتمنى أن لا يظل الأستاذ سماح إدريس فزعاً من المدى، ولا ضرورة لذلك فالاختلافات واسعة بين الآداب والمدى، لأن المدى لم تكتف بوصفها دار نشر وإنما مؤسسة ذات مشروع وطني ومستقبلي. والغريب في المقال هو صوت الاتهام والتشكيك، ليس بالمدى وإنما بكل ما يحصل من فعاليات، تكاد تكون يومية في العاصمة والمحافظات " إن التغطية الصحفية والإعلامية لمهرجان المدى أسقطت فرصة مهمة أمام القراء لمعرفة واقع الحال في كردستان العراق، وواقع " المشرفين " على الوضع الثقافي في العراق ككل " لا يريد سماح إدريس الاقتناع والقبول بوجود ثقافي / وفني، وهذا أمر يصعب عليه تصديقه، بسبب سقوط النظام السابق (فكان ما فعله بعض المستشرقين السياح القدامى: التنزه في ربوع الوطن وجباله ووديانه، واستقاء المعلومات من أفواه الحكام والمسؤولين وأبواقهم، وهذا لا يكشف عن تآمر ثقافي مسبق على الحقيقة......، بل يكشف عن كسل مريع صار (لازمة) من لوازم الصحافة الثقافية العربية للأسف. اللعنة على الاستشراق مر ة أخرى لأنه لم يقدم لنا ما لم نكن حتى الآن نملك خبرة فيه. هذا العلم الذي أنتجنا على قياساته وأعاد تمثيلنا حسبما يريد.
ويعرف الأستاذ سماح إدريس بأن ادورد سعيد أكثر تشخيصاً منا لعقدة العلاقة بين الغرب والشرق، وإنتاجه ثقافة هائلة الكمية، لكنها نمطت الشرق وجعلته ممثلاً لما هو في ذهن الغرب، وشخّص سعيد قصور الإستشراق ومحدوديته بسبب تجاهل ثقافة الآخر أو شعب أو إقليم جغرافي وتحويلها إلى جوهر خالص، وتعريتها من إنسانيتها. ويعاين الإستشراق شرقاً معروضاً دائماً للغرب، وبقى ثابتاً في الزمان والمكان، من أجل الغرب، رأي سعيد هذا فيه تناظر مع رأي الأستاذ سماح حول إقليم كوردستان وما استفاض به من معلومات حول المدائح والتبجيل وحقوق الإنسان واضطهاد المرأة، كلها بقايا راسبة في الذاكرة الثقافية المتخندقة بأحضان الماضي. وسجل الاتهامات ينطوي على رغبة "صادقة" كي تكون كردستان جنة عدن وسط جغرافية يعرف تفاصيل الأنظمة فيها، والأغرب تحول "إسرائيل" إلى تهمة دامغة للكورد وبهذا أعاد وبشكل عار من الصحة وثائق النظام السابق في الاتهام بوجود علاقات بين الكورد وإسرائيل. ومع إني وغيري لا نرتضي وجود ما ذكره المقال!! ولكن لم صمت سماح إدريس عن العلاقات الدبلوماسية والتجارية والتنسيقات العالية بين أغلب الدول العربية وإسرائيل. هل يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم بسبب القومية؟
والصراعات الدموية بين الحزبين الكورديين نتيجة موضوعية بسبب التراكمات الاجتماعية والسياسية، وأفضى ما حصل بينهما إلى نوع عال من العلاقة السياسية والتفاهمات ومعطياتها الآن واضحة ومعلومة، وكنت أتمنى على الأستاذ سماح إدريس قراءة التجربة اللبنانية التي يعرف دمويتها وحجم صراعاتها، قبل الإشارة لما هو حاصل في ماضي الإقليم، وهو – كما أرى – سبب للارتقاء بالمشترك بينهما. وطفحت آراء سماح بالتعصب القومي وتكريس الجهل المؤسس – حسب مصطلح محمد اركون – وألغى تماماً دور الكورد الثقافي / والإبداعي وهو أعرف من غيره بخارطة الثقافة والأدب الكرديين في العالم، ومن غير المنطقي أن يكون الكورد شعباً رعوياً.
    وسأقول كلاماً عن تجربة أخرى، غير أسبوع المدى، هي مهرجان كلاويز في السليمانية خلال تشرين الثاني، وفوجئت خلال أسبوع كامل بالتنوع الثقافي والأدبي والفكري، وأطمئن الأستاذ سماح عن مساحة الشباب غير المألوفة سابقاً وكانت الحياة الثقافية مدهشة ومثيرة لي تماماً. وجرى حوار مع الملا بختيار، الشخص الثاني بعد الرئيس جلال في قيادة الحزب حول المشترك في الثقافة العراقية والسبل من أجل تعميقها وضرورة إشراك القوميات والأقليات الأخرى في العام القادم، واتفقنا على إقامة مهرجان عام 2008 في بغداد إذا توفرت الشروط الموضوعية لذلك، وتوسيع حجم الدعوات للأدباء العراقيين والعرب والأجانب. ولابد من أن يعرف الجميع بأن الوضع الأمني سبب في إقامة مهرجان المدى في أربيل، وننتظر فرصة إقامته ببغداد.
وما يثير الدهشة اعتماد المقال على معلومات صحفية، نشرت لأهداف. وأتمنى على الأستاذ سماح إدريس أن يكون أكثر هدوءاً في مراقبته التجربة العراقية والكوردية. وحيث اختتم مقالته (بئس هذه الحرية التي ثمنها 700 ألف ضحية بريئة خلال أربع سنوات، وتقسيم الشعب والوطن العراقيين وتغلغل الموساد. وتزايد جرائم الشرف، وتدهور حقوق الإنسان وحرية التعبير داخل القسم (المحرر) نفسه).
أقول له باعتباري واحداً من المثقفين العراقيين وبصوت عال، بأن فضاء حريتنا جديد ومن أجله سنقدم كثيراً من القرابين وتجارب أوروبا في التحرك نحو الديمقراطية ضاجة بملايين وملايين، وأصحح له أرقام الضحايا بأكثر من مليون وأضعاف هذا الرقم من مهجرين بسبب العنف الطائفي الذي عرفته لبنان في حربها الأهلية، والتي حاصرناها بقبول بعضنا للآخر وسيادة العقل في الحوار وتقليص الفجوات بين الأطراف السياسية. ومحاصرتنا نيران الحرب الأهلية وحدها شهادة على قدرة العراقيين للاحتكام إلى المنطق والعقل، وحققنا من المنجزات السياسية التي لا يريد الأستاذ سماح رؤيتها والقبول بها ولابد من تذكيره ببعض منها وأجد بأن أكثرها أهمية إعادة النظر بالقانون سيئ الصيت "اجتثاث البعث" والسعي لتعديل الدستور وأيضاً بروز ظاهرة الصحوات التي لعبت دوراً وطنياً مهماً مع ملاحقة القاعدة وطردها من مناطق كثيرة، هذه التحققات أرضية صالحة لاستمرار الحوار بين الأطراف السياسية والجماعات المسلحة، وبودنا أن يتحقق الأستاذ سماح إدريس من التعايش والتسامح بين الأدباء والمثقفين، ولم تشهد الحياة الثقافية ما يشير إلى عكس ذلك.
وأخيرا ً يجب الإشارة الى أن موقف الأستاذ سماح سهيل هو معطى للسياسة العربية المعروفة في تعاملها مع التجربة العراقية ولا يجوز لنا قراءة المقال بعيدا ً عن الخطاب السياسي العربي.