الفتاوى الثقافية الكاملة لسماح ادريس


نصيف فلك


انطلقت هذه الايام سباقات مارثون ثقافي للفوز بجائزة "الشرف " التي اعلن عنها رئيس تحرير مجلة الآداب البيروتية بوثيقة الفقاعة السامة التي انفجرت على رأسه، وحدث لغط كثير متورم وصل حد المحاكم.
والسائد المعروف لدى الاوساط الثقافية قصة انهيار تأريخ دار الآداب ومجلتها من خلال انحرافها عن المسار الانساني الى الايديولوجية القومية، التي تكرس نفي واحتقار الآخر، وتصاعدت حدة الانحراف على يد سماح ادريس فصارت احد مناهج التطرف التي ترفد جذور عقائد تغذي عقل الارهاب ومدارسه في التخوين والتكفير والصاق التهم الجاهزة في ثلاجات العقل العربي، العقل الذي استقال عن العمل والتفكير منذ سقوط الدولة العباسية الى اليوم.

سماح ادريس نصّب نفسه "مفتي " ديار الثقافة العربية، اذ اصدر مجموعة فتاوى خطرة تشبه فتاوى ايمن الظواهري الذي كفّر الشعب المصري برمته. والغريب انه يتعكز ويستند مستشهداً بأقوال "الشاعر " سعدي يوسف الذي تدلى من تحت ذقنه ورم الغدة الطائفية وصار مرضه امثولة عند الحديث عن النكوص الى مثقف طائفي، خاصة بعد تحالفه القومطائفي مع عبد الباري عطوان، صاحب جريدة القدس اللندنية وكيف ينكر وجود شيء اسمه المقابر الجماعية واعتبرها اسطورة توراتية، على العكس تماماً من الشاعر محمد الماغوط، الذي شخص امراض الثقافة العربية حين قال: الوحدة الحقيقية في اي بلد عربي/ هي المقابر الجماعية. كلما امطرت الحرية في اي مكان في العالم/ يسارع كل نظام عربي الى رفع المظلمة في شعبه/ خوفاً عليه من "الزكام.
فخ الشرف
ان مجرد ذكر كلمة "شرف " في هذه الوثيقة المسماة "ميثاق شرف بين انصار الكلمة الحرة " يعني استجداء الشرف، وخلوها من دلالاته الثقافية والشعبية. ففي العراق يتعزز الناس ويقرفون من كلمة "شرف " من كثرة ما ادمن عليها صدام في خطاباته ولقاءاته التي تحولت الى امراض مزمنة يعاني منها العراقيون. وكان القائد الضرورة يعني بكلمة "الشرف " الخسة والنذالة، فمعنى "الشريف " لديه ان يبلغ الابن الطفل السلطة عن ابيه لانه اغلق جهاز التلفزيون حين ظهر صدام، وعنده "الشرف " ان يتجسس الاخ على اخيه والزوجة على زوجها. الشرف عند صدام ومن يحب صدام: هو استجواب المعتقل وانتزاع الاعتراف بتعذيب طفله الرضيع صعقاً بالكهرباء. وقائمة "الشرف" ستطول اذا ما احصيناها فقد تتجاوز طول خط الاستواء ابتداء من رمي احشاء محبي الزعيم عبد الكريم قاسم سنة 1963 في الشوارع للكلاب الى حفلة الاعدام العلنية بعد استيلاء البعث على السلطة مرة ثانية سنة 1968 في ساحة التحرير وحتى لاستدراج جيوش العالم الى العراق سنة 2003. فهل يعي "الشيخ " سماح ادريس الان معنى كلمة "الشرف " ولماذا يتقزز منها الشعب العراقي؟
وهذه بعض فتاوى "الشيخ " سماح ادريس التي اطلقها من "منبر " مجلة الآداب: (بين 29 نيسان و6 أيار من هذا العام أُقيم "مهرجانُ المدى الثقافي الخامس" في أربيل، عاصمةِ إقليم كردستان ـ العراق.
فلم تَبْقَ جريدةٌ لم تُدْعَ إلى هذا المهرجان، وتدفّقت المدائحُ السلطانيةُ لنشاطات المهرجان وراعيه ("الرئيس" جلال الطالباني) ومديرهِ الناشرِ الزميل فخري كريم "الذي يساوي وحدَه ورشةً كاملةً" بحسبِ ما كتب الصديق أحمد بزّون في جريدة السفير.(4) وباستثناءِ انتقاداتٍ خفيفةٍ من قَبيلِ تذمُّر بعضِ الصحافيين (بزّون) من ضعفِ التنظيم أو خلوِّ شوارعِ كردستان من أيّة ملامح للُّغة العربية، أو انتقاداتٍ أقوى من قَبيلِ تذكيرِ صحافيين آخرين (وائل عبد الفتّاح) بأنّ أسبوعَ المدى الثقافي "أُقيم برعايةِ نظامٍ حَفَرتْ طريقَه الدبّابةُ الأميركيةُ" وبأنّ السيد فخري كريم صادَفَ قبل وضعه الراهن "سنواتٍ من الجدل بشأن أدوارِه السياسيةِ والثقافيةِ قبل السقوطِ المدوِّي لصدّام،"(5) فإنّ التغطيةَ الصحفيةَ والإعلاميةَ لمهرجان المدى أَسْقطتْ فرصةً مهمةً أمام القرّاء لمعرفة واقعِ الحال في كردستان ـ العراق، وواقعِ "المُشْرفين" على الوضعِ الثقافي في العراق ككلّ.
وأكثرُ ما عَلِقَ في ذهنِ قرّاءِ الصفحات الثقافية العربية بشأن المهرجان المذكور هو ضخامتُه (800 مثقف عربي وكردي وأجنبي).
مجانين المؤامرة
ذكر "الشيخ " سماح ادريس بلسان وائل عبد اللطيف: بان اسبوع المدى الثقافي اقيم برعاية نظام حفرت طريقه الدبابة الاميركية.
ان جملة "المجيء فوق ظهور الدبابات الاميركية " نعق بها جميع المدافعين عن البعث وصدام بعد السقوط المدوي السريع لبطل العرب، وراحت تلوكها الالسن مع الفلافل القومية ودخلت هذه الجملة مع كلمة "احتلال التي يقولونها بصيغة كلمة حق يراد بها باطل "، دخلت في الصناعات البلاستيكية تحمل ماركة الثقافة القومية تحت عنوان "البلاستيك المعاد "، فلا بد هنا من تذكير كل من نطق بها هذه المعلومة الصغيرة جداً: عدم وجود أية واسطة نقل سوى الدبابات فهل من المعقول ان يمشي المنفيون خارج العراق آلاف الكيلو مترات على الاقدام؟ هل فهم الان "شيخ " سماح ادريس لماذا استقل الناس الدبابات الاميركية؟ كما ذكر عبارة "تآمر ثقافي "، طبعاً لو لم تكن هذه العبارة غير موجودة لظن القراء ان الكاتب اجنبي. فمن آخر المستحيلات ان يتنفس اي مواطن في جميع البلدان العربية من دون اوكسجين المؤامرة. حبيبتنا الحسناء هي المؤامرة تأكل وتشرب معنا، لولا وجودها لبقينا "العرب " هائمين على وجوهنا في صحراء الربع الخالي مثل مجنون ليلى او ربما تبعثرنا في شتى اصقاع العالم كالغجر. المؤامرة هي الهواء والزاد ومعنى الوجود وسبب بقائنا على قيد النجاة. ان سر حضارتنا التي يفتخر بها العالم اليوم هي المؤامرة الحبيبة. لذلك يرفع جميع المثقفين آيات الشكر والولاء لحضرة "الشيخ " الجليل سماح ادريس، راجين له دوام الصحة وعافية المؤامرة. وذكر مصطلح "الوطن العربي " وهو خطأ شائع وقع فيه الكثير وتكسرت ارجلهم، مصطلح "الوطن العربي " فضيحة جهل مدقع بالتاريخ، اذ لا يوجد شيء اسمه "الوطن العربي " ولم يتحقق مطلقاً في اي حقبة من التاريخ، حدث زواج مؤقت بين مصر وسوريا سرعان ما تم الطلاق، والخوف كل الخوف من تفتت الدولة الواحدة الى دويلات اذا ما واصل النازيون العرب ادمانهم على وهم "الوطن العربي“.
مفخخات تحديد النسل
ومن جملة ما دبـّجه "الشيخ " سماح ادريس "رض رض " في مجموعة الفتاوى الكاملة: هل تعلمون واقع الموساد "المخابرات الاسرائيلية " هناك؟ صحيح ان العراق يعاني من ظاهرة "الانفجار السكاني " وكارثة اطعام الملايين الجائعة، لذلك نصح سدنة العقيدة القومية صدام ان يلجأ في تحديد النسل الى الحروب والمقابر الجماعية واعدام كل من يرفع رأسه او يفتح فمه ولو بالتثاؤب، وبعد استقالة الرئيس بقوة الطائرات والدبابات نصح سدنة العقيدة الاسلاموية "امراء المجاهدين " الى تطويع كل من يجد في نفسه شذوذ الانتحار لمعالجة الانفجار السكاني في العراق وتحديد النسل بواسطة السيارات المفخخة والعبوات الناسفة واللعب على حرب طائفية، وهكذا تراكض بعض السعوديين والمصريين والليبيين وووو حتى تطوع الافغان والشيشانيون ومن وجد في نفسه علة شذوذ الانتحار لتدارك تفاقم نفوس العراقيين. وينصح اليوم "الشيخ " سماح ادريس بفتواه مجاهدي القاعدة والرفاق البعثيين في استدراج المزيد من الانتحاريين حين يوجه اللوم اليهم وهو يسألهم: هل تعلمون واقع الموساد هناك؟ انه مخلص في دعوته لثقافة تحديد النسل وثقافة الترشيد في استهلاك الهواء والماء والطعام، ويتوقع الوسط الثقافي منح "الشيخ " سماح ادريس جائزة نوبل لأسهاماته العظيمة في توفير استهلاك الحياة.
اما عن فتواه الكيدية في التغني بالديمقراطية لمجرد ان الطالباني قال: ( ان في العراق ديمقراطية اكثر من اي بلد في المنطقة - ومن مؤشرات الديمقراطية، "صدقوا او لا تصدقوا " حق 14 مليون شيعي بعد صدام في البكاء ).
فهل يعرف "الشيخ المبجل " سماح ادريس ان قمع التخلف افراط في التخلف- طبعاً هذا لو اعتبرنا البكاء تخلفاً مثلما يعتقده "الشيخ " الآدابي - فالبكاء غريزة بشرية سامية وتاريخ الانسانية منقوع بالدموع. ان ثقافة القمع والتجريم والتحريم والممنوع والمحظور هي ثقافة قومية وتكفيرية بلا منازع، ترتعب من البكاء ومن الضحك، تتهستر من التهكم والسخرية من الذات ومن الامة. ان اطلاق سراح التخلف من السجن والحجر ومنحه الحرية في رؤية نفسه، حيث سيكتشف اين هو ومن يكون ولماذا يفعل هذا وهل ينتمي فعلاً لعصره وزمانه ام انه شبح مقذوف في الماضي. ثم تبدأ عمليات النقد واستهجان الفعل والسلوك المتخلف، آنذاك تنطلق مخاضات تحقيق الذات ومخاضات التغيير والعيش داخل العصر لا خارجه، بحيث تتلاشى تدريجياً ظلمات التخلف عن الجسد الثقافي كلما اشرق العقل النقدي حتى تبدد آخر لطخة ظلام، وكما يقول المركيز دي صاد: ان ابشع السجون ضراوة، هي السجون الداخلية، وان لم تفتح هذه السجون، فكل ثوراتكم سجن للثورة.
ثقافة النفاق
ينخرط "الشيخ " سماح ادريس في بكاء عاو تنهمر فيه دموع مدارية لا سبيل الى توقفها وانقطاع امطارها التيزابية عن حال المرأة قائلاً: (حقوق الإنسان (والمرأة) في كردستان ـ العراق. يخصِّص تقريرُ "بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق. قسمًا مهمّاً لتقصّي حقوقِ الإنسان في المنطقة الشمالية من العراق خلال الشهور الأولى من هذا العام. صَدَر التقريرُ في نيسان 2007 ويتحدّث عن " قلقٍ جدّيّ " حيال حريةِ التعبير، والتوقيفاتِ، وظروفِ المرأةِ في كردستان. وفي حين أَنْكر مسؤولو الحكومة (التي تُشْرف على أربيل والسليمانية ودَهوك) ذلك، أَكَّدَ ناشطون أكرادٌ من داخل أربيل (حيث مهرجانُ المدى) أنّ تقريرَ الأمم المتحدة "قَصَّرَ" عن ذِكْرِ كلِّ الانتهاكات في كردستان واكتفى بذِكْر أَبْرزِها. يقول في هذا الصدد ناشطٌ كرديٌّ يُدعى ربين رَسُول إسماعيل: "تُبيِّن الحقيقةُ الراهنةُ أنّ حقوقَ الإنسان (هنا) سيّئةٌ جدًّا، ولستُ متفائلاً بخصوصِ مستقبلِ حقوق الإنسان في كردستان والعراق).
لا ندري كيف اطلع "الشيخ " سماح بحال المرأة العراقية، هل لبس طاقية اخفاء وطار على متن مكنسة الساحرات من بيروت الى اربيل، ام فكك احدى نبوءات نوستر ادموس التي تدور عن مدينة بابل، والا كيف ذهب الى كردستان وعرف احوال النساء هناك؟ الا يعني هذا وجود ثقوب ديمقراطية تسرب منها نزيف النساء من شمال العراق الى بيروت، ومن سمح لبعثة الامم المتحدة باجراء هذا المسح الميداني واحصاء عدد النساء المنتهكات ومعرفة ظروف المراة؟
ببساطة ساذجة وبريئة سيفهم "الشيخ " ان الديمقراطية في العراق- او قل نصف او ربع الديمقراطية- هي التي منحته هذه المعلومات مجاناً.
ولكن بقي سؤال يحوص في عب طفل عراقي بسيط وساذج وبريء: لماذا ظل "الشيخ " سماح ادريس جاهلاً ما يدور في العراق طوال "35 " سنة يئن تحت افظع سلطة وأفتك دكتاتور ارتعبت منها ذاكرة الارض؟ لماذا بقي اخرس اربعة عقود على مجازر الثقافة القومية؟
نتمنى ان يتسع صدر "الشيخ " سماح ادريس ويكون بوسع صدرعزة الدوري ويتفهم بان العراق قد تحرر من سجن القومية وثقافتها العنصرية الطائفية.
هذا و"دمتم للنضال في تحقيق الوحدة والحرية والاشتراكية “.
عن الصباح العراقية
17/2/2008