هذه الضجة : صدى لأبواق المعطلين وجماعات التخوين !
 

سهيل سامي نادر
 

أزعجني ما كتبه السيد سماح سهيل ادريس في مجلة الآداب بنقده لدعاة الوعي النقدي الحديث والتطورات التي توالت بعد ذلك بقيام السيد فخري كريم بتسجيل دعوى في القضاء اللبناني ضده ، ثم حملة التواقيع التي تديرها مجلة الآداب هذه الأيام التي تسميها ميثاق شرف.
في الحقيقة أرى أن صاحب نقد الوعي النقدي كتب ما كتب ليفتح معركة على طريقة الصحافة الفضائحية ، مسقطا شظايا المعركة السياسية الاصلية القائمة في لبنان والمنطقة بكل امتداداتها في العراق المحتل على فخري كريم . إنه ببساطة كتب تحت ضغط السياسة نص سباب وتخوين، ثم راح يحمي نفسه بحملة ميثاق شرف. .
أزاء ذلك أرى إن السيد فخري كريم بذهابه للمحاكم أعطى مبررا لمقالة تعد جزءا من الادب الجاهلي السائد في المنطقة ، لكي تصبح نواة معركة اعلامية تحتاجها جوقة كاملة المعدات من الديماغوجيين الذين ما زالوا يعيدون انتاج خطاب قديم باسماء مختلفة. إن السيد فخري ملام مرتين في الحقيقة ، فهو يظن أن الذهاب الى المحاكم أكثر جدوى وموضوعية ما دام الامر لا يتعدى الشتائم وهو لا يريد أن يرد على شتيمة بالكلام ، في حين إن فخري الذي أعرفه سكت طويلا على شتائم رفاقه من الشيوعيين ومنهم من اصبح في خدمة الدكتاتور واجهزته، او في ركن آخر لا يحسدون عليه، والذين يعرفهم واحدا واحدا ، ونص سماح ينسخ شتائمهم ليس الا.
فضلا عن ذلك أرى أن فخري ربما لم ينتبه الى أن خصمه يستخدم وضعية خاصة ويتقوى بها . وضعية عراق محتل راح كل من هب ودب يستخدمها كحجة لتعطيل الحياة العراقية واغلاقها تماما . إن كل ما في العراق من مناشط ومؤسسات اقتصادية وتجارية وخدمية وثقافة واعلام هي عميلة للاحتلال الامريكي ويجب أن تختفي : هذا هو شعار أصحاب المفخخات والجوقة الاديولوجية ضيقة الافق المجاورة لهم !
هذه الوضعية التي يتقوى بها الدكتور سماح تسهم فيها تطورات أخرى تجعل منها وضعية معقدة يبحث فيها الجميع عن حماية ومظلة : صعود سريع لقوى ما قبل الدولة والمليشيات ، ترييف المدينة العربية واختفاء الطبقة الوسطى القديمة ، سيطرة التيارات الدينية والطائفية . في وضعية كهذه يتحول العمل السياسي الى حجج وأداة لي الارادة بالتخوين والتهديد الصريح والمبطن . وضعية يكثر فيها (مجانين الرأي وشهود الحقيقة ) بحيث يستطيع أي مجنون ومغرض أن يرى فخري كريم راكبا دبابة امريكية مقدما شهادته الى صاحب الآداب وغيره قاسما بأغلظ الايمان بأنه رآه.
يوهمنا سماح بانه معني بنقد تناقضات الوعي النقدي العربي ، الا انه يستدرجنا الى المنطقة التي اختارها وسماها بالنموذج. انه باختصار معني بكردستان (نموذجا).
اتساءل : نموذج على ماذا؟ على الوعي النقدي؟ على تناقضاته؟ على تزييفاته؟
أرى إن ثمة مزحة سخيفة هنا لا أستطيع أن أعقلها، الا إنني أفهم سماح تماما عندما يذهب بنا الى حياة المواقف السياسية لا حياة الفكر والثقافة . هذا هو هدفه بالتمام . وما دام قد اختار كردستان نموذجا، فقد اختار أمرا قديما وعلينا تذكيره بأنه قديم جدا ، قديم قدم المسألة الكردية ومواقف العرب منها . ففي هذا النموذج المختار تضافر سوء الفهم العربي مع السياسات القمعية للنظام السابق دفع الاكراد الى أن يكونوا ما هم عليه الآن في هذه المرحلة التي يعزلها صاحب الآداب عن تاريخها. ( أنا لا أبرر شوفينية بعض الاكراد باسم الماضي القمعي كما لا ابرر الكثير من اخطائهم ). إن الدكتور سماح معبأ بالسياسة على نحو أفرغ نفسه من التاريخ ، وقبل ذلك أفرغ نفسه من الفكر.
حتى في هذه الشروط السياسية لا نراه يقبض على أية قضية محددة ، فهو ينزلق من أمثلة صغيرة على تناقضات الوعي النقدي الى كردستان ومؤسسة المدى واسبوعها الثقافي وفخري كريم مع شظايا من الادبيات الشيوعية الانشقاقية التافهة، واتهامات بالعمالة والخيانة والسرقة، مع كمية أخرى مما ينشر في مواقع الانترنيت الفضائحية.
ما الذي يحدث؟ ما الذي يحدث الآن لكي يستعيد سماح كل هذه الأمور القديمة؟
أضع هذين السؤالين في صورة أكثر تحديدا : ما الذي يدفع صاحب مطبوع أدبي عريق ، ومثقفا جديرا بالاحترام، يعيش في بلد يشهد انقساما سياسيا حادا، وتمارس قواه السياسية لعبة حافة الهاوية، ينتقد الوعي النقدي العربي الحديث في (كردستان نموذجا) ، ويثير الزوابع على صاحب مهرجان المدى ، والارض التي ضيفته ؟
هذه الرمية لها معني كما أرى ، وهي إما أن تكون جزءا من عملية ترحيل ، وإما أن تكون إسهاما اختباريا يتوقع منه بعض الخدمات- والاحتمالان يتساندان.
إن جميع المعلومات التي ساقها الدكتور سماح هي خردة محل بقالة ، أما قوته الافتراضية فقد جاءت من الدمدمة السياسية المتوفرة في البيئة السياسية اللبنانية التي استدخل بعض احتداماتها باطلاق النار على فخري وكردستان والرئيس العراقي وجميع من حضر مهرجان المدى. إنه يؤكد مواقفه السياسية داخل خريطة توزيع القوى السياسية في بلده التي باتت تجند الجميع لكي يقفوا على خطوط الاستقطابات السياسية. لقد بات التخوين في لبنان لعبة سهلة ، كما بات احراج الآخرين بنقد مواقفهم لعبة متممة. إن صاحب الآداب يعطينا دليلا على قبوله بترييف مجلته!
أرى إن علينا قراءة النصوص ليس من جهة أنها تناقض مواقف سابقة فقط ( يظن سماح انه فعل هذا) فالجميع يغيرون مواقفهم، المضحكون منهم والجادون، بل بما تعبر عنه من مصالح وظهور مراجع أو خبرات جديدة ، وبما يجري حقا هنا والآن في ساحاتنا الخلفية أو أمام بيوتنا. ( الا أقول بديهيات هنا؟!)
حتى لا نشق الصدور بالتكهنات والاحالات الى المناطق الوعرة للوعي السياسي المتزامن مع المشكلة اللبنانية -العربية، أرى أن الدكتور سماح نسي أن مهرجان المدى ولد في سوريا وليس في كردستان، وأقيم فيها لثلاث دورات ، ولم يحسب آنذاك على أية قضية غير قضية الثقافة ومناسباتها الاجتماعية ، كما لم يحسب كرديا بل عربيا، وكان فخري شبه المواطن السوري هو نفسه فخري المواطن العراقي والكردي والقيادي الشيوعي السابق وصاحب دار النشر ولا أدري أي وظائف وأدوار ومواهب أخرى : الأمر قديم في هذه القضية أيضا!
أعترف هنا إنني لم أحب مهرجان المدى ، ( لا أحب المهرجانات كلها !)، وعندما كنت أعمل في صحيفة المدى حاولت أن اقنع السيد فخري كريم بعدم اقامته بسبب الوضع الامني أولا، وبسبب كراهيتي القديمة للكرم العراقي الذي يتألق بالمهرجانات ويغطي على مشاكل الحياة الواقعية مثلما يغطي على سوء التنظيم والحيل السخيفة للضيوف والمضيفين ثانيا ، والتركيز على تطوير الجريدة ثالثا . وقد نجحت مع اصدقائي هناك بتأجيل الأسبوع عاما واحدا على الرغم من الاستعدادات والتحضيرات. والحال إن السيد فخري كريم الذي لا يتلاءم ايقاعه مع ايقاعي بسبب سرعته وثقته المتطرفة بنفسه كان يقترح مشاريع تستدعي ارادات تنظيمية هائلة غير متوفرة في العراق ، وقد أصرّ في هذه القضية متحججا بأن المثقفين العراقيين بحاجة الى التوحد واللقاء وتحدي الخوف والارهاب واعادة الثقة بأنفسهم ، من هنا واصل مشروعه، واختار اربيل بسبب الهدوء الأمني وتوفر البنى التحتية. لعله محق.
لكن هل كان يسعى الى احتواء المثقفين العراقيين والعرب والتأثير على مواقفهم؟ مبدئيا أقول ربما ، فما من أعطيات من دون ثمن . وإذا فكرنا من جهة مخططات سلطة ما فلا يمكن تصور أية سلطة من دون تركيبات وهالات ثقافية ووكلاء في الثقافة. بيد إن العراقيين يتمنون اليوم وجود سلطة ، ويريدون بناء سلطة بالمعنى المرادف لكلمة بناء دولة ، وهم يريدون دولة مدنية لا طائفية . أما في ما يتعلق بأهداف فخري كريم فقد عرفت الرجل وأستطيع أن اؤكد انه لا يديم توقعات كاملة ، كما انه يغير دوافعه بسرعة ، خاسرا أحيانا أفضل الصداقات ، مضيعا مكاسبه الخاصة، مرة بسبب الضجر والمزاج ، ومرة بسبب خلاف عارض ، ومرة بسبب عدم تثبته مما يحدث في العراق الصعب ، فالحياة العراقية هي من الحدية والتمرد والتنكر بحيث تستطيع الاطاحة بثلاثة من فخري وعشرة من نقاد الوعي النقدي من أمثال سماح .
لقد عملت مع فخري كريم منذ العدد الاول من صحيفة المدى ولم يمر يوم منذ ذلك الحين من دون توتر وصراع معه. وعندما غادرت العراق سلمته خطابا عن خلافاتنا ، وهي خلافات عمل وخيارات في المناهج والسلوك ، لكننا ما زلنا نسخر ممن اتفقنا على السخرية منهم ، وهم الامريكان والقادة السياسيون الاغبياء المضحكون وحثالات الطائفيين والمليشيات. وما زلنا على اتفاق أخوي على برنامج بسيط لا يقبل المماحكة : الاستقلال الوطني الناجز ، دولة قانون مدنية ، ديمقراطية .
بودي هنا أن أبدي بعض الملاحظات بشأن ما يلصق بفخري من نعوت كنت لا أخشى مناقشتها معه ونحن نضحك ، وقد زودني هو ببعض مصادرها مع كمية مما ينشر في مواقع الانترنيت عنه . إنها النعوت نفسها التي ينبش فيها الدكتور سماح والكثيرين الذين تدوخهم شخصية فخري كريم . أرى هنا إن شخصية فخري هي نتاج مماحكة قديمة على طريقة الشيوعيين العراقيين في أوقات انشقاقاتهم وأيام غروبهم، وهو سيظهر دائما كبطل رواية شرير عبث بالحزب وسرقه وهزم كوادره المخلصة. يبدو فخري للبعض دملة تكبر بحاجة الى عملية جراحية أو وخزة دبوس ، في حين انه جزء من المشهد الداخلي للاحزاب التي عملت تحت الارض طويلا الى حد التفكك مع بعض المناقب الخاصة. على فخري أن يدفع ثمن ظهوره المجلجل على اية حال ، عليه أن يجيب على بعض الاسئلة. وتلك قضية تخصه وحده .
بعيدا عن فخري وبصرف النظر عما يمثله وعن الأوصاف المسقطة عليه من قبل البعض ، يجب الاعتراف بأن العراق الحالي هو مكان يجري الخلاف بشأنه من دونما حاجة الى اختيار اهداف صغيرة كأمثلة او نماذج . بدلا من مخادعات الوضعية الزمنية المباشرة بامكان السيد سماح أن يمعن النظر في العراق كمثال تاريخي وسوسيولوجي وثقافي يلخص المأزق العراقي والعربي معا. إن العراق الذي يئن تحت الاحتلال الامريكي يئن كذلك من تاريخه السياسي والاجتماعي . إن واحدة من اشكالات ( المقاومة ) ضد الاحتلال هي وجود ماض سياسي واجتماعي يعيق بناء مقاومة وطنية مثلما يعيق بناء حتى أصغر وحدة لمعالجة المياه في بعض المدن والقرى . فالمقاومة ( وأنا هنا أشير الى القاعدة ومن يمشي في ركابها) استدخلت هذا الماضي في وجدانها وحولته الى أداة تحطيم ( لأنها إما جزء منه وإما جزء من نسخته الجديدة على طريقة التكفيريين والطائفيين والمليشيات) فراحت بقدر ما تشق الصف الوطني وتستفز كتلا تاريخية كاملة بأشرس انواع الارهاب تحطم بيدها معدات وحدات معالجة المياه. ( أنا لا أتسلى بمثال بل إن ما أقوله دقيق جدا). أرى كذلك إن التاريخ السياسي العراقي مع حلقاته العربية يقدم أمثلة نموذجية على تصنيع النفاق العادي للمثقفين والسياسيين ، أمثلة على انتاج الوجدان الكاذب للمفكرين الذين يهربون من تحليل المشاكل البنيوية في السياسة والثقافة السابقة والحالية. ثمة هنا قصص مضحكة مبكية للمعارك الخاطئة، والتفاهة السياسية ، والخيانات القذرة، والاسراف في الدم والولائم ، والكرم الحاتمي الذي يصنع سماسرة وعملاء ودجالين وخجولين ومرضى نفسيين ومهرجين ومتوقعي مكافآت.
في هجومه على مهرجان المدى وعلى من حضره ( ولاسيما على الأخيرين ) مارس الدكتور سماح ما أحب ان اسميه باصدار فتوى تخوين لا علاقة لها باحداثيات الثقافة بل باحداثيات اطلاق النار على طريقة الملثمين الذين قتلوا عن طريق الفتاوي آلاف العراقيين بدم بارد. لا اظن إن السيد سماح له علاقة بالملثمين لكنه أغلق عينيه على ما يجري في الازقة الخلفية للعراق وتاريخه فلم ير غير الدبابات الامريكية والطالباني وفخري ومهرجان المدى. إنه لا يرى اللعبة جيدا ، لا يرى التعاضد الموضوعي بين مفخخي السيارات ووجود قوات الاحتلال في مفاصل الماضي والحاضر، مع إن المشكلتين مختلفتان وتحتاجان الى تحليل دقيق لهذا وذاك ، تحليل يلتزم بالشرف والحرص على الحياة قبل كل شيء.
يفسر العنف الحالي في العراق من التقاء ميراث قديم لأنظمة الاستبداد التي حكمت العراق والاحتلال الامريكي الذي حطم مرجعا وطنيا رئيسيا متمثلا بالدولة. الجزء الثاني من هذا اللقاء كانت له نتائج كارثية فقد سمح بصعود مخيف لقوى ما قبل الدولة الطائفية والمناطقية التي سعت الى تقاسم السلطة والموارد حتى بوسائل غير مشروعة، وجعل كل شيء يجري في العراق يبدو بلا اطار استناد أو ضابط ، ابتداءً من الانتخابات وانتهاء باعمال تبليط شارع. والملاحظ في وضع كهذا ان المسألة الامنية تقدمت على المسائل السياسية العاجلة مما اضاع الكثير من الوقت في تذليل مصاعب انعدام الثقة ما بين القوى السياسية وما بينها والناس مع بقاء شكوك ومخاوف تكاد تشبه مرضا من امراض الجنون والارتياب ما زالت تعمل حتى الآن ، فضلا عن ضياع فرص في البناء واعادة البنى التحتية المهدمة.
يحتاج العراقيون اليوم الى فهم ما جرى ويجري ، والى تفهم مجهوداتهم وتشجيعهم على تخطي مصاعبهم ومساعدتهم على الخروج من مأزق الاحتلال والعنف ، وليس الى اتهامهم بالعمالة واطلاق النار عليهم وتحويلهم الى مجموعات عناد سياسي تصطف لقتال بعضها البعض ، مخوفة او مستاءة من بيئتها العربية المحيطة.
تلك هي مهمة مثقفين من طراز نقدي ، من طراز المثقف المجتمعي وليس من طراز سياسي يعبئ الجماهير بالحقد والاستعداد للحرب الأهلية .