دفاعا عن المثقف العراقي ومجلة الآداب معا
 

سلوى زكو

ما سيلي ليس دفاعا عن فخري كريم في خلافه مع مجلة (الاداب) اللبنانية، فالرجل، وبحكم خبرته العريضة، اقدر مني على التعامل مع امثال هذه المواقف، انما هو دفاع عن النفس بصفتي احد المشاركين في مهرجانات المدى، كما انه دفاع عن مجلة الاداب نفسها.
اريد ان افترض حسن النية فأقول ان د.سماح ادريس على مايبدو لا معرفة لديه بطابع مهرجان المدى الثقافي اذ تصور، او صور له، انه دعوات مجانية واقامة في فنادق باذخة و( التفرج) على بضع فعاليات ثقافية والباقي يمضيه المدعوون في جلسات سمر وثرثرة ومشاحنات لاتنتهي الا بطلوع الفجر. والامر ليس كذلك قطعا، ولو كان كذلك لما كلف احد نفسه عناء الكتابة عنه، معه او ضده، ولانضم مهرجان المدى الى العشرات من الفعاليات الثقافية الفوقية التي تصرف عليها ملايين الدولارات وتنتهي ما ان تبدأ.
حضر مهرجان المدى الاخير اكثر من 800 مثقف عراقي وعربي كان كل واحد منهم مشاركا وليس ضيفا متفرجا. ولمن لم يعرف بعد اقول كانت هناك العشرات من العروض المسرحية والسينمائية والموسيقية والغنائية ومعرض للفنون التشكيلية ومعرض ضخم للكتاب والعشرات من الحلقات النقاشية التي غطت مختلف جوانب المعرفة الفكرية والثقافية والعلمية اضافة الى كم كبير من البحوث واوراق العمل وكلها كانت مدار نقاش امتد الى ساعات مابعد فعاليات المهرجان. اذن، لم يصنع مهرجان المدى فخري كريم وحده، بل صنعه معه كل اولئك الذين قدموا نتاجهم الابداعي او شاركوا بالنقاش والمقترحات وفتحوا آذانهم وعقولهم لتمثل تيارات الثقافة الغنية والمتنوعة تنوع المعرفة الانسانية.
كان لفخري كريم شرف ادارة هذا الجهد الثقافي الهائل، ومعه نخبة من العاملين في مؤسسة المدى، كما كان له فضل جمع هذه الاعداد من المثقفين من شتى بقاع هذا الكون الواسع بعد ان شتتتها السياسات الخائبة بكل المقاييس، ولقد اتضح انها كانت خائبة حتى بمقاييسها هي. وان كان للرجل شرف تأسيس المدى المؤسسة، الا انها غدت اليوم مشروعا ثقافيا هو ملك لكل من اسهم فيه من مفكرين وباحثين وكتاب وصحفيين وعددهم بالمئات اضافة الى مؤسسها.
اريد ان افترض مجددا حسن النية فأقول ان د.سماح ادريس لا يعرف بالدقة الجهد الثقافي الهائل لمن شاركوا في المهرجان، وليس في المجال متسع لايراد الاسماء لانها بالمئات، لكنني اقول عن ثقة ومعرفة ان هؤلاء هم من خيرة من يمثل الثقافة العراقية بتنوعاتها واجيالها المتعددة. ونحن العراقيون -لو درى-نضع الثقافة فوق العطايا والجوائز والسكن في فنادق الدرجة الاولى، اعتدنا ان نشتري الكتاب حتى وان اقتطعنا ثمنه من لقمة العيش، او ان نقرأه مستنسخا وسيف الجلاد مشهر فوق اعناقنا.
اذن، لا يزايد علينا احد في موضوعة الانتماء وشرف الكلمة، فنحن ادرى بالشعاب التي قادت وتقود الى طعن ظهورنا، وهي شعاب تظل نهاياتها مسدودة.
مازالت ردود الافعال تتوالى، مؤيدة او معارضة لمسألة اللجوء الى القضاء. تقرأ في بعضها شتائم لا تستحق الرد عليها، فيما يحاول بعضها الاخر، ربما كان الاكثر ذكاء، ان يتساءل لماذا لجأ فخري كريم الى القضاء؟ اما كان الاجدر به ان يدخل في سجال (فكري) مع الاداب يقارع الحجة بالحجة؟ احسب ان هذا مربط الفرس، محاولة جر الرجل الى معارك كلامية تبدأ به وتنتهي الى كل ما يمت الى العراق بصلة، وهو اذكى من يسهل جره الى مثل هذا النفق، فلجأ الى الاسلوب المعتمد في كل مكان وهو الاحتكام الى القضاء. واحيل هنا د.سماح ادريس الى المعايير الدولية لحرية التعبيروالى العشرات من مواثيق الشرف الصحفي بمختلف صنوفها والتي تجمع على منع القذف والتشهير والاساءة الى السمعة الشخصية. كما احيله الى الالوف من امثال هذه الخروقات في شتى انحاء العالم التي كان الحكم فيها للقضاء. هي ممارسة اعتيادية تكفلها القوانين واحسب ان الجميع يعرفها. اين الغرابة اذن؟
نأتي الى مجلة (الاداب) تلك التي تعرفنا من خلالها-نحن العراقيين -الى مبدعينا يوم كانت منافذ النشر لدينا تضيق باسماء مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وغائب طعمة فرمان وبلند الحيدري وكل ذلك الرعيل من المبدعين الذين اضافوا الكثير الى تيار الثقافة العربية الدافق في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. وظلت صفحات (الاداب) مفتوحة بحب للمبدعين العراقيين من الاجيال التالية.
ما الذي تغير اذن؟ هل يعقل ان (الاداب)، التي عرفت منذ نشأتها الاولى، بتوازنها الفكري، يمكن ان ان تنحدر الى مهاوي الاتهام والطعن الشخصي استنادا الى ان فلانا كتب وعلانا قال؟ هل يعقل ان تتهم (الاداب) اكثر من 800 مثقف عراقي وعربي باللهاث وراء " تذاكر الدرجة الاولى وفنادق النجوم الخمسة "؟ الم يتوقف د.سماح ادريس لحظة ليسأل نفسه عن من المستفيد من فتح النار على مؤسسة ثقافية عربية بحجم وتأثير المدى؟ كيف سمح لنفسه، وهو المسؤول عن سمعة المجلة، ان ينضم الى الحملة الدائرة التي تصنف العراقيين الى عرب وكرد يتناحرون فيما بينهم؟ هنا لن افترض حسن النية، اذ ان من اولى واجباته، وهو يقود المجلة، ان يحسن الفرز بين التيارات المتصارعة في العراق ومنها تيار شق العراقيين الى عرب وكرد، وهو تيار معروفة مصادره وغاياته وادواته، وهنا اربأ بالاداب ان تكون واحدة من هذه الادوات.
هذا نداء اوجهه الى استاذنا ومعلمنا د. سهيل ادريس ان يعمل على ضبط بوصلة (الاداب) التي قد تكون واحدة من آخر متاريس الثقافة والتنوير في العالم العربي. انها-كما مؤسسة المدى-لم تعد ملكا لآل ادريس، رغم اقترانها باسمهم. انها ملكنا نحن جميعا كما هي ملك للاجيال اللاحقة ولمئات من المبدعين العرب الذين حملت هذه المجلة اسماءهم.
مهما كان قرار المحكمة، فاننا لانريد ان نخسر (الاداب) كما عرفناها.