في مواجهة ثقافة الإتهام

كاظم الواسطي

عند قراءتي مقال "نقد الوعي "النقدي" : كردستان-العراق نموذجاً" المنشور في مجلة الآداب اللبنانية (العدد5/6 آيار-حزيران 2007) بقلم رئيس تحريرها السيد سماح إدريس، صدمتني الطريقة التي تناول فيها كاتب المقال أحد المهرجانات الثقافية العراقية-أسبوع المدى الثقافي الخامس -الذي أقيم في أربيل للفترة من 29 نيسان -6 آيار 2007 . حيث أُهمل في هذا الجانب الرأي بطبيعة المهرجان الثقافية ومحاور برنامج عمله اليومي .
والذي يثير الإستغراب هو إعتراض السيد إدريس على التغطية الصحفية والإعلامية للمهرجان والتي أكدت على وجود 800 مثقف عربي وكردي وأجنبي .. وشموله أنواعاً متعددة من النشاطات (سياسة، إقتصاد، سينما، مسرح، غناء، معارض للكتب، فن تشكيلي، أزياء فلكلورية).
ولا ندري ما الذي يريده كاتب المقال -وهو رئيس تحرير مجلة ثقافية- من مهرجان ثقافي بكل هذا التنوع، الذي ضمّنه في مقاله المذكور ؟ .
كانت بداية غير موفقة حين اتخذها مدخلاً للإعلان عما يضمره من أغراض لا علاقة لها بالمهرجان أو الثقافة . ولأن مجلته تعنى بشؤون الأدب والثقافة فقد أراد لأغراضه تلك إطاراً فيه شيء من نكهة الثقافة، وقد تشوّه هذا الإطار بدعوة السيد سماح إدريس لأولئك الصحفيين والإعلاميين، المدعوين لتغطية وقائع مهرجان ثقافي، بفتح ملفات سياسية وعسكرية حدثت في منطقة كردستان العراق عام 1991 !!
بل يتعدى ذلك إلى فرض وجهة نظره في هذا الملف ويقول في هذا الصدد "هل تعلمون مقدار الدمار الذي ألحقه الحزبان الكرديان الأساسيان بكردستان بعد حرب الخليج سنة 1991" .
وكان يردّ بذلك على الذين تحدثوا عن الإستقرار الأمني والتطور الإقتصادي في كردستان العراق بضوء مشاهداتهم من هناك، كأنما ما يحدث يوماً في منطقة ما يجب أن يصير قدراً محتوماً لها في كل الأزمان . والمعنى الآخر، الذي يضمره السيد إدريس في هذا السياق، هو إن ما كانت تتعرض له كردستان العراق من دمار وتخريب على يد نظام الإستبداد الصدامي هو قدرها الذي تستحق، والشكل الذي يتمناه كاتب المقال وأمثاله من الطبالين لماضٍ لم يعد ذا شأن في حياة العراقيين، وهم يبحثون عما يرسخ خطواتهم على درب الحرية والشراكة بعد عقود الإستعباد والإنفراد بالحكم .
وهاهو السيد إدريس يكشف حقيقة ما يضمره لكردستان-العراق عبر إسقاطه على موقف يفترضه في ذهنه، للعراقيين (العرب) حين يقول "ويشعر العراقيون العرب أيضاً بالإستياء (وربما) الحقد، حيث يسمعون بالأماكن والمنتجعات السياحية في مناطق الأكراد" .
وهذا يُبرز أيضاً التناقض في موقفه الأول الذي يشكك من خلاله بوجود وضع أمني مستقر أو تطور إقتصادي في كردستان العراق .
بل ويتعدى ذلك الى إستيائه من التجربة العراقية عموماً حيث يرد في المقال "من مؤشرات هذه الديمقراطية حق 14 مليون شيعي بعد صدام .. على البكاء" .
وفي تناوله لموضوع "الدور الإسرائيلي في كردستان
العراق" لم يكن أكثر حظاً في إثبات إدعاءاته باعتماد مصادر إنتقائية غير موثقة بدلائل مقنعة للقارئ .
فهو يعتمد في إتهامه هذا على تصريح لصحفي أو خبر في جريدة . وأنا أسأل هنا لمَ لا يكون ذلك جزءاً من سرديات الإعلام المتخيلة
وهي كثيرة في عصرنا هذا، والموجهة من قوى أو جهات لها أغراض أخرى ؟
يبدو أن الدافع القوي في تحامل السيد سماح إدريس وأمثاله من المثقفين العرب على التجربة العراقية الجديدة ورموزها الثقافية هو إنكسار أحد مرتكزات منظومتهم الفكرية، وتداعي مؤسسة، كانت حاضنة لمفاهيمهم الإحادية المغلقة في مواجهة تطور الأفكار، وتجدد أدوات الفكر الإنساني .
والأكثر من ذلك، إنها كانت راعية لهم، تغدق عليهم وعلى مشاريعهم الطوباوية التي باتت في مهب متغيرات العصر .
فراحوا يتباكون، في وقت وجدت فيه قوى السلفية والتكفير موطئاً للتدمير والقتل في العراق بدعوى "مقاومة الإحتلال"، ليدخلوا في معادلة جديدة مع التكفيريين والسلفيين لمواجهة عملية التغيير، بعد سقوط النظام الصدامي، وإختاروا هذه المرة الكهوف منطلقاً، بعد تهاوي "القلعة الحصينة" وكاتبها النكرة .
كان على السيد سماح إدريس، كي يكون (ناقداً للنقد)، أن يتفهم جيداً إشكاليات الظاهرة العراقية، ويتمعن فيما آلت إليه الأمور بموضوعية الناقد، وليس بإنتقائية المستاء سلفاً .
فالإحتلال لم يكن خياراً عراقياً من بين خيارات ممكنة أخرى للتغيير، بل كان نتيجة لممارسات نظام صدام المجنونة ضد الشعب العراقي، الذي ظل لأكثر من ثلاثة عقود رهينة لسياساته القمعية التي حولت أرض العراق الى عدد لايحصى من المقابر. وحروبه الدموية المتواصلة ضد بعض دول الجوار وتهديد الأخرى، بالإضافة الى مواقف النظام الخرقاء تجاه الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة .
والسيد سماح إدريس يعرف جيداً، بأن كل ذلك حدث في ظل غياب أي موقف تضامني مع الشعب العراقي وأية إشارة لتلك الممارسات من قبل معظم المؤسسات السياسية والثقافية العربية، بل كانت تلك المؤسسات تدعم النظام معنوياً عبر الصحافة ووسائط الإعلام المختلفة بدوافع غلب عليها كسب المال والتمتع بخيرات شعبٍ حُرمَ منها .
كيف نرى، بواقعية التحليل الموضوعي، رد فعل، أي شعب وأية جماعة بشرية، على محاولة إزاحة كابوسٍ جثمَ طويلاً على حياتها وحولها الى جحيمٍ لا يطاق ؟
وبالرغم من ذلك، كان يمكن للأمر، بعد سقوط النظام الصدامي، أن يأخذ منحى آخر في تشكيل معادلة الإحتلال-المقاومة، لولا التدخلات من خارج الحدود، بدعم ومباركة وتغطية إعلامية من تلك المؤسسات ذاتها، التي فرضت على الساحة العراقية نمطاً غريباً من "المقاومة"، إستهدف فيه "المقاومون" الأسواق والمدارس والجوامع والكنائس ومحطات الكهرباء والماء ومن ثم تفجير أجساد العراقيين الأبرياء في الشوارع والساحات العامة .
لقد خلقت تلك العمليات، في عقول العراقيين ونفوسهم، إشكاليات جديدة أضعفت معادلة الإحتلال-المقاومة وأساءت كثيراً الى إمكانية التعاطي الإيجابي معها من قبل العراقيين .
بمعنى آخر، إن المؤسسات السياسية والثقافية العربية التي سكتت عن جرائم النظام الصدامي وقدمت له العون والدعم للإستمرار في قمعه وحروبه المجنونة، وما يقوم به "المجاهدون العرب" اليوم على أرض العراق هما عاملان أساسيان، ساهما الى حدٍ كبير، في إستدراج قوات الإحتلال وإستمرارها بحجةٍ جاهزة يقدمها لها إرهاب "المقاومة" .
وبدلاً من محاولة تفكيك تلك الإشكاليات ووضع الأمور في إتجاهاتها الصحيحة، بالتعاون والتداول وحسن النية مع المثقفين العراقيين، راح السيد سماح إدريس وأمثاله من المثقفين العرب يعمّق تلك الإشكاليات عبر ثقافة الإتهام والتخوين والطعن بالمثقفين العراقيين وإعلان العداء لمشاريعهم الثقافية الهادفة الى إعادة بناء المجتمع وتأهيل الإنسان العراقي وفق مفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان بعد عقود الإستبداد الطويلة . إن ثقافة البناء هي وحدها من تصنع المقاومة الحقيقية، وتعجّل بنهاية الإحتلال .
بعكس ثقافة الإتهام التي تساهم في تغذية جذور العنف وتعزز من إرهاب "المقاومة" وتعطي الفرصة والحجة لبقاء الإحتلال .
ولكن للأمانة ولسوء حظ أمثال هؤلاء المثقفين، نقول : إن ثقافة بناء المجتمع والإنسان، لن تسمح بعودة مثل ذلك النمط من الإستبداد كما إنها تقطع الطريق على نشوء أشكالٍ أخرى منه .