في مسائل القانون والرأي

حازم صاغيّة    

 

ليس سهلاً، إلاّ في معرض الإطناب والتفخيم والسخاء اللفظيّ، وصف ثقافتنا السياسيّة بالدقّة، كي لا نقول النزاهة. فتهم (خائن) و (عميل) و (جاسوس) و (سارق) و (لصّ) هي ما يحفل به قاموس التبادل الشائع. وهو ما يلحّ على تحكيم القانون في ألسنةٍ أفلتت من عقالها، لا ترى ضرورة للإثبات والبرهان تقرن بهما تلك التهم المسيئة، وأحياناً المدمّرة، لمن توجّه التهم إليه

أما أن يقف مثقّفون عرب، ومعهم غربيّون مستعربون، ضد تحكيم القانون بالشتائم، وإلى جانب تصنيف الشتيمة رأياً، فهذا انحطاط في ثقافة المثقّفين المعنيّين يشرب من مناهل عدة

وأوّل المناهل، هنا، ان الثقافة لا تتفوّق أخلاقيّاً على سائر بُنى المجتمع لجهة النأي عن القوانين والتنكّر لها، الأمر الذي استفحل في السنوات الأخيرة مع إفساح بعض التلفزيونات شاشاتها لأشكال الإثارة من كلّ نوع

والحال أن ديفيد إيرفينغ حين كذب في (تأريخه) وفي كُتبه وجد من يستدعيه الى المحكمة بحيث آل به الأمر الى نكبة ماليّة وسنوات قضاها في الزنزانة. وهو ما يحصل في مجتمعات نظنّ أنها أكثر احتراماً لـ (الرأي) وأكثر حريّة في التعبير عنه، فضلاً عن كونها أشدّ حفولاً بالقانون. وهذا مبدأ يجدر بالمثقّفين أينما كانوا أن يدافعوا عنه وأن يطالبوا مجتمعاتهم ودولهم بالعمل بموجبه. فحين يحصل العكس يصير حريّاً بنا التساؤل عمّا وراء هذا الرفض لتحكيم القوانين.

واقع الأمر أن نزعة كهذه لا تُعدم الصلة بميل طاغٍ الى استبعاد المعاني والدلالات عموماً وردّها الى رغبات أيديولوجيّة محضة. فالتجرّؤ على مبدأ إنشاء محكمة دوليّة للبتّ في جريمة كاغتيال رفيق الحريري صار موقفاً (وطنيّاً) غير هيّاب! وحين غزا صدّام حسين، مثلاً، دولة الكويت، غدا القانون الدوليّ وحقّ الأمم في تقرير مصيرها، في بيئة واسعة عربيّاً، معاني بلا معنى. وحين يصرّ البعض على بقاء سلاح (حزب الله) في لبنان، على رغم الإقرار الدوليّ بانسحاب القوّات المحتلّة من أرضه، يصير القانون الدوليّ ومبدأ احتكار الدولة لأدوات العنف، هي الأخرى، معاني بلا معنى

وقصارى القول إن المطلوب، في السياسة كما في الثقافة، يمسي واحداً أحداً: تحكيم فوضى التعريف وفوضى السلوك في حياة المجتمعات وفي بشرها. فإذا ما عنّ لأحدهم أن يسائل الفوضى هذه جاء الجواب ديماغوجيّاً محضاً: فالمحكمة الدوليّة مؤامرة، وصدّام فعل ما فعله لتحقيق (الوحدة) أو ردّ (الكرامة)، و (حزب الله) يفعل ما يفعله لأسباب مشابهة وبمصطلحات مماثلة. أما الاعتراض على افتقار هذه الحجج لأيّة صلة بالقوانين فتنكّرٌ للشعب والأمّة وجري في مجرى المؤامرات عليهما! وبالمعنى نفسه تصير الدعوى من قبل فرد ضدّ فرد وجّه له تهمة أخلاقيّة ثأراً من (تقليد نضاليّ) عبّرت عنه مجلّة ذات تاريخ، أو انتقاماً من عائلة، صدف أنها عائلة ذاك الفرد، اشتُهرت بدور في الحياة الثقافيّة

وهو عموماً إنما يندرج في تقليد التكفير لأن صاحب الدعوى يمسّ، والحالة هذه، بمقدّس. وبدل التضامن مع المشهَّر به من دون إثبات، يصير المطلوب التضامن مع الذي مارس التشهير لأنه حارس المقدّس وتجسيده. هكذا نجلس، كما جلس صدام حسين، محيطين أنفسنا بدروع بشريّة ودروع تراثيّة ونقول: إن من يريد ردعنا إنما يغتال التاريخ والبشر.

وهذا كلام تثيره حادثة في بيروت ليست تافهة على الإطلاق وليس طابعها التمثيليّ ضعيفاً أبد.

الحياة